الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٩
و قد اختلفت الروايات في أول من بناه.
قيل: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع إلى سرنديب [١] من أرض الهند. و كان يتردد في الأرض متحيرا بين فقدان زوجته و وجدان توبته، حتى وافى حواء بجبل الرحمة [٢] من عرفات و عرفها، و صار إلى أرض مكة و دعا و تضرع إلى اللّه تعالى حتى يأذن له في بناء بيت يكون قبلة لصلاته و مطافا لعبادته كما كان قد عهد في السماء من البيت المعمور [٣] الذي هو مطاف الملائكة و مزار الروحانيين، فأنزل اللّه تعالى عليه مثال ذلك البيت على شكل سرادق من نور، فوضعه مكان البيت فكان يتوجه إليه و يطوف به.
ثم لما توفي تولى وصيه شيث عليه السلام بناء البيت من الحجر و الطين على الشكل المذكور حذو القذة بالقذة. ثم لما خرب ذلك بطوفان نوح عليه السلام، و امتدّ الزمان حتى غيض [٤] الماء و قضي الأمر، و انتهت النبوة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام و حمله هاجرا إلى الموضع المبارك، و ولادة إسماعيل عليه السلام هناك و نشوؤه و تربيته ثمة، و عود إبراهيم إليه و اجتماعه به في بناء البيت، و ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ [٥] فرفعا قواعد البيت على مقتضى إشارة الوحي مرعيا فيها جميع المناسبات التي بينها و بين البيت المعمور، و شرعا المناسك و المشاعر محفوظا فيها جميع المناسبات التي بينها و بين
[١] سرنديب: هي جزيرة عظيمة في بحر هركند بأقصى بلاد الهند، و في سرنديب الجبل الذي هبط عليه آدم (عليه السلام) يقال له الرهون، و هو ذاهب في السماء يراه البحريون من مسافة أيام كثيرة و فيه أثر قدم آدم. (معجم البلدان ٣: ٢١٦).
[٢] جبل الرحمة: لم نعثر على ذكر لهذا الجبل في المراجع التي بين أيدينا، و لعله جزء من عرفات.
[٣] البيت المعمور: هو البيت الذي في السماء يقال له الضراح، بناؤه كبناء البيت الحرام، و هو بحيال الكعبة، في السماء السادسة أو السابعة. و سمي بالمعمور لأنه يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك.
(تاريخ مكة للأزرقي ١: ١٨).
[٤] غيض الماء: نقص أو غار أو نضب من سورة هود: الآية ٤٤.
[٥] سورة البقرة: الآية ١٢٧.