الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٥
الطبيعة الكلية ما استفادت من العقل. فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها، و لا هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف. فلما نظر العقل إليها و أبصر الأرواح و اللبوب في الأجسام و القشور: ساح عليها من الصور الحسنة الشريفة البهية؛ و هي صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية، حتى يدبرها و يتصرف فيها بالتمييز بين القشور و اللبوب، فيصعد باللبوب إلى عالمها، فكانت النفوس الجزئية أجزاء للنفس الكلية كأجزاء الشمس المشرقة على منافذ البيت، و الطبيعة الكلية معلولة للنفس. و فرق بين الجزء و بين الطبيعة، فالجزء غير المعلول.
ثم قال: و خاصية النفس الكلية: المحبة، لأنها لما نظرت إلى العقل و حسنه و بهائه أحبته حب وامق [١] عاشق لمعشوقه، فطلبت الاتحاد به و تحركت نحوه.
و خاصية الطبيعة الكلية: الغلبة، لأنها لما توحدت لم يكن لها نظر و بصر تدرك بهما النفس و العقل و تعشقهما، بل انبجست منهما قوى متضادة، أما في بسائطها فمتضادات الأركان؛ و أما في مركباتها فمتضادات القوى المزاجية و الطبيعية، و النباتية، و الحيوانية. و الطبيعية تمردت عليها لبعدها من العلة بكونها معلولة عن كلياتها، و طاوعتها الأجزاء النفسانية مغترة بعالمها الغرار الغدار، فركنت إلى لذات حسية: من مطعم مري، و مشرب هني، و ملبس طري، و منكح شهي، و نسيت ما قد طبعت عليه من ذلك البهاء و الحسن و الكمال الروحاني النفساني العقلي فلما رأت النفس الكلية تمردها و اغترارها أهبطت إليها جزءا من أجزائها، هو أزكى و ألطف و أشرف من هاتين النفسين البهيمية و النباتية. و من تلك النفوس المغترة بهما. فيكسر النفسين عن تمردهما، و يحبب إلى النفوس المغترة عالمها، و يذكرها بما نسيت، و يعلمها ما جهلت، و يطهرها مما تدنست فيه، و يزكيها عما تنجست به. و ذلك الجزء الشريف هو النبي المبعوث في كل دور من الأدوار،
[١] الوامق: المحب، و التومّق: التودّد، و في الحديث: أنه اطلع من وافد قوم على كذبة فقال: لو لا سخاء فيك ومقك اللّه عليه لشرّدت بك، أي أحبك اللّه عليه.