الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠٣
صفة جامعة للكل. و البقاء، و السرمد، و الدوام، و حفظ النظام في العالم تندرج تحت كونه قيوما. و القيومية صفة جامعة للكل. و ربما يقول: هو حي ناطق من جوهره، أي من ذاته، و حياتنا و نطقنا لا من جوهرنا، و لهذا يتطرق إلى حياتنا و نطقنا العدم و الدثور و الفساد، و لا يتطرق إلى حياته و نطقه تعالى و تقدس.
و حكى فلوطرخيس [١] في المبادي أنه قال: أصول الأشياء ثلاثة و هي: العلة الفاعلة، و العنصر، و الصورة، فاللّه تعالى هو الفاعل، و العنصر هو الموضوع الأول للكون و الفساد. و الصورة جوهر لا جسم. و قال: الطبيعة أمة للنفس، و النفس أمة للعقل، و العقل أمة للمبدع الأول، من أجل أن أول مبدع أبدعه المبدع الأول صورة العقل. و قال: المبدع لا غاية له و لا نهاية. و ما ليس له نهاية ليس له شخص و صورة. و قال: اللانهاية في سائر الموجودات لو تحققت لكان لها صورة واقعة.
و وضع و ترتيب. و ما تحقق له صورة و وضع و ترتيب صار متناهيا. فالموجودات ليست بلا نهاية. و المبدع الأول ليس بذي نهاية، ليس على أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية كما يتخيله الخيال و الوهم، بل لا يرتقي إليه الخيال حتى يصفه بنهاية و لا نهاية. فلا نهاية له من جهة العقل، إذ ليس يحده. و لا من جهة الحس، فليس يحده. فهو ليس له نهاية، فليس له شخص و صورة خيالية أو وجودية حسية أو عقلية، تعالى و تقدس [٢].
و من مذهب سقراط أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان على
[١] كان فيلسوفا مذكورا في عصره. و له تصانيف مذكورة بين فرق الحكماء منها كتاب «الآراء الطبيعية» و يحتوي على آراء الفلاسفة في الأمور الطبيعية و كتاب «الرياضة» و كتاب في علم النفس. (القفطي ص ١٧٠).
[٢] كان سقراط يؤمن بالقدر. فلم يكن يرى أنه مخير فيما يفعل، بل كان يعتقد أنه مسير بوحي يملي عليه ما يقول، و يرسم له طريق المسير، و يطلعه على نتائج الأعمال قبل حدوثها، و هو إنما يؤدي رسالة فرضتها عليه الآلهة ليس له عن أدائها من محيص. و قد روى أفلاطون في أحد فصوله حديثا عما حدث لسقراط من وحي. أيقن سقراط من خلاله أنه أحكم أهل زمانه حقا، و أيقن أنه مسير لا مخير. (انظر الحديث بتوسع في قصة الفلسفة اليونانية ص ١١٢).