الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٤٥
إن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، و واحد غير متحرك. قال:
إنا وجدنا المتحركات على اختلاف جهاتها و أوضاعها، و لا بد لكل متحرك من محرك، فإما أن يكون المحرك متحركا؛ فيتسلسل القول فيه و لا يتحصل، و إلا فيستند إلى محرك غير متحرك، و لا يجوز أن يكون فيه معنى ما بالقوة فإنه يحتاج إلى شيء آخر يخرجه من القوة إلى الفعل؛ إذ هو لا يتحرك من ذاته من القوة إلى الفعل، فالفعل إذن أقدم من القوة، و ما بالفعل أقدم على ما بالقوة، و كل جائز وجوده ففي طبيعته معنى ما بالقوة، و هو الإمكان و الجواز فيحتاج إلى واجب به يجب، و كذلك كل متحرك فيحتاج إلى محرك، فواجب الوجود بذاته: ذات وجودها غير مستفاد من وجود غيره، و كل موجود فوجوده مستفاد عنه بالفعل. و جائز الوجود له في نفسه و ذاته الإمكان، و ذلك إذا أخذته بلا شرط، و إذا أخذته بشرط علته فله الوجوب، و إذا أخذته بشرط لا علية فله الامتناع.
المسألة الثانية:
في أن واجب الوجود واحد [١]، أخذ أرسطوطاليس يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث أن العالم واحد، و يقول: إن الكثرة بعد الاتفاق في الحد ليست إلا في كثرة العنصر، و أما ما هو بالآنية الأولى فليس له عنصر، لأنه تمام، قائم بالفعل، لا يخالط القوة فإذن المحرك الأول واحد بالكلمة و العدد، أي بالاسم و الذات، قال: فمحرك العالم واحد، لأن العالم واحد، هذا نقل ثامسطيوس، و أخذ من نصر مذهبه يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إنه واجب الوجود لذاته، قال:
و لو كان كثيرا لحمل واجب الوجود عليه و على غيره بالتواطؤ فيشملها جنسا، و ينفصل أحدهما عن الآخر نوعا، فتتركب ذاته من جنس و فصل. فتسبق أجزاء
[١] فأرسطو يكشف في مذهبه عن وجود إله واحد يدبر هذا الكون، و قد ذكر الفارابي في كتابه «الجمع بين رأيي الحكيمين» بأن أرسطو بيّن في كتاب «أوثولوجيا» أن الواحد موجود في كل كثرة، لأن كل كثرة لا يوجد فيها الواحد لا تتناهى أبدا، و برهن على ذلك ببراهين جلية واضحة.