الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤١
للسعادة استعدادا، و كأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم و علائقه إلا أن يكون قد أكد العلاقة مع ذلك العالم، فصار له شوق و عشق إلى ما هناك يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة.
ثم إن النفوس و القوى الساذجة التي لم تكتسب هذا الشوق [١] و لا تصورت هذه التصورات، فإن كانت بقيت على ساذجيتها و استقرت فيها هيئات صحيحة إقناعية و ملكات حسنة خلقية سعدت بحسب ما اكتسبت. أما إذا كان الأمر بالضد من ذلك أو حصلت أوائل الملكة العلمية و حصل لها شوق قد تبع رأيا مكتسبا إلى كمال حالها فصدها عن ذلك عائق مضاد فقد يبقى الشقاء الأبدي. و هؤلاء إما مقصرون في السعي لتحصيل الكمال الإنساني، و إما معاندون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية. و الجاحدون أسوأ حالا.
و النفوس البله [٢] أدنى من الخلاص من فطانة بتراء، لكن النفوس إذا فارقت و قد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة على مثل ما يخاطب به العامة، و لم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم لا كمال فتسعد تلك السعادة، و لا عدم كمال فتشقى تلك الشقاوة، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل، منجذبة إلى الأجسام، و لا بد لها من تخيل، و لا بد للتخيل من أجسام. قال: فلا بد لها من أجرام سماوية تقوم بها القوة المتخيلة. فتشاهد ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر و البعث و الخيرات الأخروية، و تكون الأنفس الرديئة أيضا تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا و تقاسيه. فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن الحسية، بل
[١] لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثا و ينطبع في جوهر النفس إذا تبرهن للقوى النفسانية أن هاهنا أمورا تكتسب العلم بها بالحدود الوسطى، و أما ما قبل ذلك فلا يكون، لأن الشوق يتبع رأيا و ليس هذا الرأي للنفس أوليا بل رأيا مكتسبا.
[٢] و أما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق، فإنها إذا فارقت البدن و كانت غير مكتسبة للهيئات البدنية الردية صارت إلى سعة من رحمة اللّه و نوع من الراحة، و إن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية، و ليس عندها هيئة غير ذلك، و لا معنى يضاده و ينافيه فتكون لا محالة ممنوعة بشوقها إلى مقتضاها، فتعذب عذابا شديدا بفقد البدن و مقتضياته.