الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨٥
صحيح [١]، قال في رسالته إلى أبانوا: و أما ما قذف به أفلاطون عندكم من أنه يضع للعالم ابتداء زمانيا فدعوى كاذبة، و ذلك أن أفلاطون ليس يرى أن للعالم ابتداء زمانيا، لكن ابتداء على جهة العلة، و يزعم أن علة كونه ابتداؤه.
و قد أرى أن المتوهم عليه في قوله: إن العالم مخلوق، و إنه حدث من لا شيء، و إنه خرج من لا نظام إلى نظام، فقد أخطأ و غلط، و ذلك أنه لا يصح دائما أن كل عدم أقدم من الوجود فيما علة وجود شيء آخر غيره، و لا كل سوء نظام أقدم من النظام. و إنما يعني أفلاطون أن الخالق أظهر العالم من العدم إلى الوجود، و إن وجد أنه لم يكن من ذاته، لكن سبب وجوده من الخالق. قال: و قال في الهيولى: إنها أمر قابل للصور و هي كبيرة و صغيرة. و هما في الموضوع و الحد واحد. و لم يبين العدم كما ذكره أرسطوطاليس إلا أنه قال: الهيولى لا صورة لها، فقد علم أن عدم الصورة في الهيولى. و قال: إن المركبات كلها إنما تتكون بالصور على سبيل التغير، و تفسد بخلو الصور عنها.
و زعم فرفريوس أن من الأصول الثلاثة التي هي الهيولى و الصورة و العدم: أن كل جسم إما ساكن و إما متحرك، و هاهنا شيء يكون ما يتكون، و يحرك الأجسام، و كل ما كان واحدا بسيطا ففعله واحد بسيط. و كل ما كان كثيرا مركبا فأفعاله كثيرة مركبة. و كل موجود ففعله مثل طبيعته. ففعل اللّه بذاته فعل واحد بسيط، و باقي أفعاله يفعلها بمتوسط مركب. قال: و كل ما كان موجودا فله فعل من الأفعال مطابق لطبيعته. و لما كان الباري تعالى موجودا ففعله الخاص هو الاجتلاب إلى الوجود، ففعل فعلا واحدا و حرك حركة واحدة، و هو الاجتلاب إلى شبهه، يعني الوجود. ثم إما أن يقال: كان المفعول معدوما يمكن أن يوجد، و ذلك هو طبيعة الهيولى بعينها،
[١] ففرفريوس يدافع عن فكرة قدم العالم و أن ليس له بداية زمنية، كما كافح بشدة نقد فلوطرخيس لهذه الفكرة، و بهذا الكفاح انضم إلى أكزنيوقراطيس مع آخرين فيما نقلوه من فهم لأفلاطون في كتابه طيماوس حول العالم. أ قديم هو أم حادث. و قد اختلف الشراح في فهم غاية أفلاطون أ يبغي القدم أم الحدوث للعالم، و قد أشرنا آنفا إلى رأي الفارابي في أن أفلاطون لا يعتقد قدم العالم و ما جاء في قوله كان على سبيل التمثيل لا العقيدة.