الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٢
بالمادة وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة. و لا يجوز أن تكون علة قابلية. فقد بينا أن النفس ليست منطبعة في البدن. و لا يجوز أن يكون علة صورية أو كمالية. فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس. فإذن تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا على أنه علة ذاتية لها.
نعم البدن و المزاج علة بالعرض للنفس، فإنه إذا حدث بدن يصلح أن يكون آلة للنفس و مملكة لها أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية، فإن إحداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون واحد يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد، و لأن كل كائن بعد ما لم يكن يستدعي أن يتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ قبوله، أو تهيؤ نسبته إليه كما تبين. و لأنه لو كان يجوز أن تكون النفس الجزئية تحدث و لم تحدث لها آلة بها تستكمل و تفعل لكانت معطلة الوجود و لا شيء معطل في الطبيعة، و لكن إذا حدث التهيؤ و الاستعداد في الآلة حدث من العلل المفارقة شيء هو النفس. و ليس إذا وجب حدوث شيء من حدوث شيء وجب أن يبطل مع بطلانه.
و أما القسم الثالث مما ذكرنا، و هو أن تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم، فالمتقدم، إن كان بالزمان فيستحيل أن يتعلق وجوده به و قد تقدمه في الزمان. و إن كان بالذات فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم، على أن فساد البدن بأمر يخصه من تغير المزاج و التركيب. و ليس ذلك مما يتعلق بالنفس، فبطلان البدن لا يقتضي بطلان النفس.
و يقول: إن سببا آخر لا يفسد النفس أيضا، بل هي في ذاتها لا تقبل الفساد؛ لأن كل شيء من شأنه أن يفسد بأمر ما، ففيه قوة أن يفسد، و قبل الفساد فيه فعل أن يبقى، و محال أن يكون من جهة واحدة في شيء واحد قوة أن يفسد و فعل أن يبقى، فإن تهيؤه للفساد شيء، و فعله للبقاء شيء آخر؛ فالأشياء المركبة يجوز أن يجتمع فيها الأمران لوجهين [١]؛ أما البسيطة فلا يجوز أن يجتمعا فيها. و من الدليل على
[١] و هما: فعل أن يبقى، و قوة أن يفسد.