الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٤
متناسبة لحنية [١] هي أشرف الحركات، و ألطف التأليفات. ثم تعدوا من ذلك إلى الأقوال حتى صارت طائفة منهم إلى أن المبادي هي الحروف و الحدود المجردة عن المادة، و أوقعوا الألف في مقابلة الواحد، و الباء في مقابلة الاثنين، إلى غير ذلك من المقابلات.
و لست أدري: على أي لسان و لغة قدروها؟ فإن الألسن تختلف باختلاف الأمصار و المدن، أو على أي وجه من التركيب؟ فإن التركيبات أيضا مختلفة، فالبسائط من الحروف مختلف فيها، و المركبات كذلك. و لا كذلك العدد فإنه لا يختلف أصلا.
و صارت جماعة منهم إلى أن مبدأ الجسم هو الأبعاد الثلاثة، و الجسم مركب عنها. و أوقعوا النقطة في مقابلة الواحد، و الخط في مقابلة الاثنين، و السطح في مقابلة الثلاثة، و الجسم في مقابلة الأربعة. و راعوا هذه المقابلات في تراكيب الأجسام، و تضاعيف الأعداد.
و مما ينقل عن فيثاغورس أن الطبائع أربعة، و النفوس التي فينا أيضا أربعة:
العقل و العلم، و الرأي، و الحواس. ثم ركب فيه العدد على المعدود، و الروحاني على الجسماني.
قال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا [٢]: و أمثل ما يحمل عليه هذا القول أن
[١] من المأثور عن الفيثاغوريين قولهم إن لحركات الأفلاك نغمات، و حجتهم في ذلك أن الجسم إذا تحرك بسرعة أحدث صوتا هو صوت اهتزاز الهواء أو الأثير، فلا بدّ أن يكون لحركات الأفلاك في الأثير العلوي أصوات، و لا بدّ أن يكون في السماء ألحان، و إن كنا لا نشعر بها، و لا يبعد أنهم كانوا يخرجون من هذا القول إلى مثل ما خرج إليه إخوان الصفاء حيث قالوا: اعلم يا أخي أنه لو لم يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات و لا نغمات لم يكن لأهلها فائدة من القوة السامعة الموجودة فيهم. (انظر تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٦ و رسائل إخوان الصفا ١: ١٥٢، ١٦٨ و موسوعة الفلسفة ٢: ١٨٠- ١٨٣).
[٢] ظهر ابن سينا في عصر اضطربت فيه أحوال الدولة العباسية و أنهار سلطانها و كان مولده في سنة ٣٧٠ ه/ ٩٨٠ م بحسب رواية القفطي و ابن خلكان، أما ابن أبي أصيبعة فيجعل سنة ٣٧٥ ه مولد الشيخ الرئيس.-