الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٦
المقدمة التي توردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعريا، و إن انضم إليها قول إقناعي تركبت المقدمة من معنيين: شعري و إقناعي. و إن كان الضميم إليه قولا يقينيا تركبت المقدمة من شعري و برهاني.
و منهم النّساك: و نسكهم و عبادتهم عقلية لا شرعية، و يقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة، و سياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية.
و ربما وجدنا لبعضهم رأيا في بعض المسائل المذكورة، أعني المبدع و الإبداع، و أنه عالم، و أن أول ما أبدعه ما ذا؟ و أن المبادي كم هي؟ و أن المعاد كيف يكون؟ و صاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه، و ذكرنا مقالته، و إن كانت كالمكررة، نبتدئ بهم، و نجعل فلوطرخيس مبدأ آخر.
١- رأي فلوطرخيس [١]
قيل إنه أول من شهر بالفلسفة، و نسبت إليه الحكمة، تفلسف بمصر، ثم سار إلى ملطية و أقام بها، و قد يعد من الأساطين.
[١] فلوطرخيس: مفكر و مؤرخ فلسفة و مؤرخ سياسي يوناني، ولد في خيرونية حوالي سنة ٤٦ م و توفي نحو ١٢٧ م.
تعلم الفلسفة على يد أمونيوس في أثينا و صار من أتباع الأفلاطونية. و في الإسكندرية أتقن مناهج الفيلولوجيا، و زار روما مرتين على الأقل، لكنه أمضى معظم حياته في مسقط رأسه، حيث تولى بعض الوظائف المحلية، و حوالي سنة ٩٥ م صار كاهنا مدى الحياة في معبد «دلف».
و المؤلفات المنسوبة إليه تربو على مائتي كتاب أو رسالة، و تأتي أهميتها من كونها حفظت مواد مأخوذة عن مؤلفات مفقودة لكتاب قدماء.
أما من الناحية الفلسفية و الدينية، فقد كان فلوطرخيس خصما للخرافات و الأساطير و تولى الدفاع عن العبادات الوثنية بتأويلها تأويلا فلسفيا، و كان خصما للرواقية و الأبيقورية على السواء. و النزعة الغالبة عليه هي الأفلاطونية، لكنه مع ذلك تأثر ببعض آراء أرسطو و الفيثاغوريين. و اهتم بمشكلة الشر، فوجد الأصل فيه راجعا إلى المادة. و أقرّ بوجود الجن و بتدخلهم في شئون العالم و الناس. و أهم مؤلفاته هي: جني سقراط (Degenio Socrate( و «الآراء الطبيعية التي يرضى بها الفلاسفة» و قد ترجمه إلى العربية قسطا بن لوقا. (انظر موسوعة الفلسفة ٢: ١٩٥).