الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٤
مادة و صورة. و المادة أمر بالقوة، فهو إذن جوهر مجرد من المادة و هو العقل الفعال.
و إنما سمي فعالا بإزاء كون العقول الهيولانية منفعلة. و قد سبق إثباته في الإلهيات من وجه آخر. و ليس يختص فعله بالعقول و النفوس بل و كل صورة تحدث في العالم فإنما هي من فيضه العام، فيعطي كل قابل ما استعد له من الصور. و اعلم أن الجسم و قوة في جسم لا يوجد شيئا، فإن الجسم مركب من مادة و صورة، و المادة طبيعتها عدمية. فلو أثر الجسم لأثر بمشاركة المادة و هي عدم، و العدم لا يؤثر في الوجود. فالعقل الفعال هو المجرد عن المادة و عن كل قوة، فهو بالفعل من كل وجه.
و أما الثاني: من الأحوال الخاصة بالنفس، فالنوم و الرؤيا و النوم غئور القوى الظاهرة في أعماق البدن و انحباس الأرواح من الظاهر إلى الباطن. و نعني بالأرواح [١] هاهنا أجساما لطيفة مركبة من بخار الأخلاط التي منبعها القلب، و هي مراكب القوى النفسانية و الحيوانية، و لهذا إذا وقعت سدة في مجاريها من الأعصاب المؤدية للحس بطل الحس و حصل الصرع و السكتة. فإذا ركدت الحواس و رقدت بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس، لأنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورد الحواس عليها. فإذا وجدت فرصة الفراغ و ارتفع عنها المانع، و استعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية التي فيها نقشت الموجودات كلها، فانطبع في النفس ما في تلك الجواهر من صور الأشياء لا سيما ما يناسب أغراض الرائي، و يكون انطباع تلك الصور في النفس كانطباع صورة في مرآة من مرآة. فإن كانت الصور جزئية و وقعت من النفس في المصورة و حفظتها الحافظة على وجهها من غير تصرف المتخيلة صدقت الرؤيا، و لا تحتاج إلى تعبير، و إن وقعت في
[١] و الروح إنسانية و قدسية. فالروح الإنسانية هي التي تتمكن من تصور المعنى بحده و حقيقته. و الروح القدسية لا تشغلها جهة و لا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، و يتعدى تأثيرها إلى بدنها بلا أجسام العالم و ما فيه، و تقبل المعقولات من الروح الملكية بلا تعليم من الناس. (رسائل الحكمة و الطبيعيات ص ٤٥).