الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٠٥
و هؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر، و يقولون هو المتوسط بين المحسوس و المعقول، فالصور من المحسوسات ترد عليه، و الحقائق من المعقولات ترد عليه أيضا. فهو مورد العلمين من العالمين، فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم و الفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة، و الاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، فربما يخبر عن مغيبات الأحوال، و ربما يقوى على حبس الأمطار، و ربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال، و لا يستبعد ذلك فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام و التصرف في النفوس.
أ ليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم؟ أ ليست إصابة العين تصرف الوهم في الشخص؟ أ ليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال و لا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية؟.
و الوهم إذا تجرد عمل أعمالا عجيبة، و لهذا كانت الهند تغمض عينها أياما لئلا يشتغل الفكر و الوهم بالمحسوسات و مع التجرد إذا اقترن به وهم آخر اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق.
و لهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة، فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله، و يندفع عنهم البلاء الملم الذي يكادهم ثقله، و منهم البكرنتينية، يعني المصفدين بالحديد، و سنتهم حلق الرءوس و اللحى، و تعرية الأجسام ما خلا العورة، و تصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم لئلا تنشق بطونهم من كثرة العلم و شدة الوهم و غلبة الفكر. و لعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام؛ و إلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن؟ و كثرة العلم كيف توجب ذلك [١]؟
[١] و ليس من سننهم أن يعلموا أحد و لا يكلموه دون أن يدخل في دينهم. و يأمرون من يدخل في دينهم بالصدقة للتواضع بها و من دخل في دينهم لم يصفد بالحديد حتى يبلغ المرتبة التي يستحق بها ذلك، و تصفيدهم أنفسهم من أوساطهم إلى صدورهم لئلا تنشق بطونهم زعموا من كثرة العلم و غلبة الفكر.
(الفهرست لابن النديم ص ٤٨٩).