الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٣
و ذلك نوع من الحركة، لا حركة النقلة؛ و إذا تحرك نحو الفعل و فعل فله سكون بعد ذلك لا محالة. قال: و أثبت البخت أيضا مبدأ سادسا و هو نطق عقلي، و ناموس لطبيعة الكل، و قال جرجيس [١]: إنه قوة روحانية مدبرة للكل، و بعض الناس يسميه جدا. و زعم الرواقيون أنه نظام لعلل الأشياء، و للأشياء المعلولة.
و زعم بعضهم أن علل الأشياء ثلاثة: المشتري، و الطبيعة، و البخت.
و قال أفلاطون: إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل، و في كل واحد من المركبات طبيعة خاصة، و حد الطبيعة بأنها مبدأ الحركة و السكون في الأشياء، أي مبدأ التغير، و هي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات و الحركات بها، فطبيعة الكل محركة للكل، و المحرك الأول يجب أن يكون ساكنا، و إلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له.
و حكى أرسطوطاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب «ما بعد الطبيعة» أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس [٢]، فكتب عنه ما روى عن هرقليطس [٣]: أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة، و أن العلم لا يحيط بها. ثم اختلف بعده إلى سقراط، و كان من مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات و غيرها، فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة، لأن الحدود ليست للمحسوسات، لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية، أعني الأجناس، و الأنواع، فعند ذلك سمى أفلاطون الأشياء الكلية صورا، لأنها واحدة، و رأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور. إذن كانت الصور رسوما
[١] جرجيس: هو جورجياس الفيلسوف السوفسطائي، الذي كان يعلم البلاغة و علم السياسة، و كان يستعير منهج زينون من قبله في الجدل، و يعتمد على برمنيدز في آرائه في أصل الكون. و قد وضع كتابا عنوانه «الطبيعة» أو اللاوجود.
[٢] أقراطيلوس: فيلسوف تتلمذ لهرقليطس، و كان أحد أتباعه، و قد أخذ عنه أفلاطون، و قد انتهى أقراطيلوس إلى تحريم الكلام، و كان يقتصر على تحريك اصبعه.
[٣] هيرقليطس: ولد نحو ٥٤٠ ق. م. و توفي سنة ٤٧٥ ق. م. (انظر ص ٣٩٨ ج ٢ من هذا الكتاب).