الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٨
أغلب، و هذا العالم عالم الجرم، و ذلك العالم عالم الجسم، فالنفس في ذلك العالم تحشر في بدن جسماني [١] لا جرماني دائما، لا يجوز عليه الفناء و الدثور، و لذته تكون دائمة لا تملها الطباع و النفوس.
و قيل لفيثاغورس: لم قلت بإبطال العالم؟ قال: لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان فإذا بلغها سكنت حركته، و أكثر اللذات العلوية هي التأليفات اللحنية و ذلك كما يقال: التسبيح و التقديس غذاء الروحانيين و غذاء كل موجود هو مما خلق منه ذلك الموجود.
و أما هيراقليطس [٢] و أباسيس فقد كانا من الفيثاغوريين و قالا: إن مبدأ الموجودات هو النار، فما تكاثف منها و تحجر فهو الأرض، و ما تحلل من الأرض بالنار صار ماء، و ما تخلخل من الماء بالنار صار هواء، و ما تخلخل من الهواء بحرارة النار صار نارا، فالنار مبدأ، و بعدها الأرض، و بعدها الماء، و بعدها الهواء، و بعدها النار، و النار هي المبدأ [٣] و إليها المنتهى، فمنها التكون، و إليها الفساد.
و أما أبيقورس الذي تفلسف في أيام ديمقريطيس فكان يرى أن مبادي
[١] الفيثاغورية، كما أوردنا، تؤمن بالتناسخ. و هذا ما علّمه فيثاغورس و كان يقول بأن الأرواح لا تفنى و هي تنتقل في عالم الكائنات الحية من حي إلى آخر، و أن كل كائن يظهر و يتلاشى يعود إلى الظهور في دورة معلومة مدتها ثلاثة آلاف سنة. و هكذا فلا جديد تحت الشمس، و هكذا فكل مولود حي حلقة من سلسلة الأسرة الواحدة الشاملة. (تاريخ الفلسفة اليونانية، بتصرف).
[٢] ظهر هيراقليس في أفسس، و رأى أن السلطان في الكون للصيرورة الدائمة التحول، فكل شيء يسيل و يتغير، و رأى أن النار هي العنصر الأساسي لأنها أخف العناصر و أسرعها حركة؛ و في النار قوة دائمة النشاط، و اضطرام ينتج عنه العراك المستمر الذي نشهده في الوجود. و قال أيضا بمذهب امتزاج الأضداد، و إن الواحد متألف من جميع الأشياء، و جميع الأشياء صادرة عن الواحد، و قد توفي سنة ٤٧٥ ق. م. (قصة الفلسفة اليونانية ص ٥٦).
[٣] كان هيراقليطس يزعم أن النار هي الأصل الأول لجميع الأشياء، و كان يقول إن عنصر النار يتغير بالتكاثف حتى يصير هواء، و هذا الهواء يتغير أيضا بالتكاثف حتى يصير ماء، و كذلك عنصر الماء يصير بالتكاثف ترابا، ثم ينعكس التغير .. و كان يقول إن هذا العالم نشأ و تركب من النار، فليست هذه الحياة التي تدب في الأحياء و هذا النشاط العقلي الذي يميز الإنسان إلا قبسا من تلك النار، فكلما كثرت النار في جسم ازدادت حيويته و اشتد نشاطه، و كلما أظلم الشيء أي قلّ ما فيه من نار، كان أقرب إلى الموت و أدخل في عالم اللاوجود. (ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة ص ٦٣).