الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٤٩
كل شيء، و هو باق الدهر أزلي، فهو حي بذاته، باق بذاته، عالم بذاته. و إنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا من غير تكثر و لا تغير في ذاته.
المسألة السادسة:
في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد [١] قال: الصادر الأول هو العقل الفعال، لأن الحركات إذا كانت كثيرة، و لكل متحرك محرك، فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات، فلو كانت المحركات و المتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول و ثان، بل جملة واحدة، لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك، و متحرك متحرك، فتتكثر ذاته، و قد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه، فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد و هو العقل الفعال. و له في ذاته، و باعتبار ذاته، إمكان الوجود.
و باعتبار علته وجوب الوجود، فتكثر ذاته لا من جهة علته، فيصدر عنه شيئان. ثم يزيد التكثر في الأسباب فتتكثر المسببات، و الكل ينسب إليه.
المسألة السابعة:
في عدد المفارقات [٢].
قال: إذا كان عدد المتحركات مترتبا على عدد المحركات، فتكون الجواهر المفارقة كثيرة على ترتيب أول و ثان. فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي
[١] المبدأ الأول واحد و إنه يحرك الحركة الأولى الدائمة الأزلية، و بعد ذلك المبدأ جواهر كثيرة حالها هذه الحال، و القياس يوجب ذلك و الحس شهد عليه، و كل متحرك فحركته من محرك، فالعلة الأولى يجب أن تكون ضرورة واحدة غير متحركة، و أما الجواهر المحركة للأجسام التي بعدها فيجب ضرورة أن تكون كثيرة بحسب الأجسام المتحركة، و أن تكون في ذاتها غير متحركة لكن تتحرك بالعرض كما أوجبه القول في أمر النفس و أن تكون أزلية، إلا أن الوقوف على كثرة القوى يقصد إلى تعرفه من علم النجوم، و يجب أن يكون عدد القوى المحركة بحسب عدد الأجسام المتحركة.
[٢] ثم إن أرسطو أخذ يبحث، هل المحرك المفارق الذي ليس بجسم واحدا أو أكثر من واحد، فيقول: إذا كانت الحركات كثيرة، و المتحرك الواحد محركه واحد، فيجب أن يكون عدد الحركات المفارقة كثيرة، بحسب عدد المحركات الأزلية. (انظر ذلك في كتاب الإنصاف شرح كتاب اللام لابن سينا).