الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٧
و هو الدهر المحض من نحو آخره لا من نحو أوله، و إليه تشتاق العقول و الأنفس، و هو الذي سميناه الديمومة و السرمد، و البقاء في حد النشأة الثانية [١].
فظهر بهذه الإشارات أنه إنما أراد بقوله: الماء هو المبدع الأول، أي هو مبدأ التركيبات الجسمانية لا المبدأ الأول في الموجودات العلوية، لكنه لما اعتقد أن العنصر الأول هو قابل كل صورة، أي منبع الصور كلها، فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور كلها، و لم يجد عنصرا على هذا النهج مثل الماء، فجعله المبدع الأول في المركبات، و أنشأ منه الأجسام و الأجرام السماوية و الأرضية.
و قال في التوراة في السفر الأول منها أن مبدأ الخلق هو جوهر خلقه اللّه تعالى، ثم نظر إليه نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ثار من الماء بخار مثل الدخان، فخلق منه السموات، و ظهر على وجه الماء زبد مثل زبد البحر فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال، و كأن تاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية.
و الذي أثبته من العنصر الأول الذي هو منبع الصور شديد الشبه باللوح المحفوظ المذكور في الكتب الإلهية، إذ فيه جميع أحكام المعلومات، و صور جميع الموجودات، و الخبر عن الكائنات.
و الماء على القول الثاني شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [٢].
[١] و كان أول من قال من الروم أن الأرواح غير فانية بل هي أزلية باقية. و قد دخل عليه رجل من أهل مليطية و سأله: هل يمكن أن تخفى أسرارنا على الآلهة؟ فقال له طاليس: لا تظن هذا أبدا لأن جميع الأسرار الخفية لا تخفى على الإله الحكيم. و كان يزعم أن الموت و الحياة مستويان دائما فسئل: لأي سبب لم تقتل نفسك؟ فأجاب بقوله: حيث كان الموت و الحياة مستويين فما يحملني على إيثار الموت على الحياة. و كان يقول: إن الذي يسلينا عند حلول المصيبة من أحد علمنا بأن الذي أذانا بها هو أشقى منا و أسوأ حالا منا. (ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة ص ٥).
[٢] سورة هود: الآية ٧.