الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٥
المتخيلة حاكت ما يناسبها من الصور المحسوسة، و هذه تحتاج إلى تعبير و تأويل.
و لما لم تكن تصرفات الخيال مضبوطة و اختلفت باختلاف الأشخاص و الأحوال اختلف التعبير. و إذا تحركت المتخيلة منصرفة عن عالم العقل إلى عالم الحس و اختلطت تصرفاتها كانت الرؤيا أضغاث أحلام لا تعبير لها، و كذلك لو غلبت على المزاج إحدى الكيفيات الأربع رأى في المنام أحوالا مختلطة.
و أما الثالث: في إدراك علم الغيب في اليقظة. إن بعض النفوس يقوى قوة لا تشتغله الحواس و لا تمنعه، بل يتسع بقوته للنظر إلى عالم العقل و الحس جميعا. فيطلع إلى عالم الغيب فيظهر له بعض الأمور مثل البرق الخاطف، و بقي المتصور المدرك في الحافظة بعينه و كان ذلك و حيا صريحا، و إن وقع في المخيلة، و اشتغلت بطبيعة المحاكاة كان ذلك مفتقرا إلى التأويل.
و أما الرابع في مشاهدة النفس صورا محسوسة لا وجود لها، و ذلك أن النفس تدرك الأمور الغائبة إدراكا قويا. فيبقى عين ما أدركته في الحفظ. و قد تقبله قبولا ضعيفا فتستولي عليه المتخيلة و تحاكيه بصورة محسوسة و استتبعت الحس المشترك، و انطبعت الصورة في الحس المشترك سراية إليه من المتصورة و المتخيلة. و الإبصار هو وقوع صورة في الحس المشترك، فسواء وقع فيه من خارج بواسطة البصر، أو وقع فيه أمر من داخل بواسطة الخيال كان ذلك محسوسا. فمنه ما يكون من قوة النفس و قوة آلات الإدراك. و منه ما يكون من ضعف النفس و الآلات.
و أما الخامس: فالمعجزات و الكرامات.
قال: خصائص المعجزات و الكرامات ثلاث:
خاصية في قوة النفس و جوهرها ليؤثر في هيولى العالم بإزالة صورة و إبعاد صورة؛ و ذلك أن الهيولى منقادة لتأثير النفوس الشريفة المفارقة، مطيعة لقواها السارية في العالم. و قد تبلغ نفس إنسانية في الشرف إلى حد يناسب تلك النفوس فتفعل فعلها، و تقوى على ما قويت هي، فتزيل جبلا عن مكانه و تذيب جوهرا