الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٥٨
فينزل حديدا أو حجرا، و منها ما يحترق نارا فيدفعها دافع فينزل صاعقة، و من المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال، و وقف تحت كوكب، و دارت به النار الدائرة بدوران الفلك، فكان ذنبا له. و ربما كان عريضا فرئي كأنه لحية كوكب. و ربما وقع على صقيل الظاهر من السحاب صور النيرات و أضواؤها كما يقع على المرئي و الجدران الصقيلة فيرى ذلك على أحوال مختلفة، بحسب اختلاف بعدها من النير و قربها، و صفائها و كدورتها. فيرى هالة و قوس قزح، و شموس، و شهب، و المجرة. و ذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف بالآثار العلوية، و السماء و العالم، و غيرهما.
المسألة الرابعة عشرة:
في النفس الإنسانية الناطقة، و اتصالها بالبدن [١].
قال: النفس الإنسانية ليست بجسم و لا قوة في جسم، و له في إثباتها مآخذ:
منها الاستدلال على وجودها بالحركات الاختيارية، و منها الاستدلال عليها بالتصورات العلمية.
أما الأول فقال: لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية، إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية، لتحرك إلى جهة واحدة لا تختلف البتة، فلما تحركت إلى جهات متضادة علم أن حركاته اختيارية، و الإنسان مع أنه مختار في حركاته كالحيوان، إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر، فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض و كمال، و هو في معرفته في عاقبة كل حال،
[١] يرى أرسطو أن النفس هي الصورة الأولى للجسم الطبيعي المركب الذي يمنحه الحياة و القدرة، فالنفس في رأيه هي العلة التصويرية و الغائية للجسم، و هي بعيدة عن أن تكون ناتجة عنه، لأن علة وجود الشيء ليست بعضه. و مع ذلك، فمن حيث أن الصورة عند أرسطو لا يمكن أن تستقل بنفسها في الخارج. فحياة النفس بعيدة عن الجسم في نظره. و هو لهذا يقول: إن الروح لا تعرف لها وجودا بغير الجسم، فهي و إن لم تكن جسما إلا أنها صورة للجسم.