الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٨
يكون أقرب إلى الإمام. و يقال بالكمال و الشرف كتقدم العالم على الجاهل. و يقال بالعلية لأن للعلية استحقاقا للوجود قبل المعلول، و هما بما هما ذاتان ليس يلزم فيهما خاصية التقدم و التأخر، و لا خاصية المعية، و لكن بما هما متضايفان و علة و معلول، و أن أحدهما لم يستفد الوجود من الآخر، و الآخر استفاد الوجود منه، فلا محالة كان المفيد متقدما و المستفيد متأخرا بالذات و إذا رفعت العلة ارتفع المعلول لا محالة، و ليس إذا ارتفع المعلول ارتفعت بارتفاعه العلة، بل إن صح فقد كانت العلة ارتفعت أولا بعلة أخرى حتى ارتفع المعلول. و اعلم بأن الشيء كما يكون محدثا [١] بحسب الزمان، كذلك قد يكون محدثا بحسب الذات. فإن الشيء إذا كان له في ذاته أن لا يجب له وجود، بل هو باعتبار ذاته ممكن الوجود، مستحق للعدم لو لا علته، و الذي بالذات يجب وجوده قبل الذي من غير الذات، فيكون لكل معلول في ذاته أولا أنه ليس تم عن العلة. و ثانيا: أنه أيس، فيكون كل معلول محدثا أي مستفيد الوجود من غيره. و إن كان مثلا في جميع الزمان موجودا مستفيدا لذلك الوجود عن موجد فهو محدث، لأن وجوده من بعد لا وجوده بعدية بالذات. و ليس حدوثه إنما هو في آن من الزمان فقط، بل هو محدث في الدهر كله، و لا يمكن أن يكون حادثا بعد ما لم يكن في زمان إلا و قد تقدمته المادة. فإنه قبل وجوده ممكن الوجود. و إمكان الوجود إما أن يكون معنى معدوما، أو معنى موجودا. و محال أن يكون معدوما فإن المعدوم قبل و المعدوم مع: واحد، و هو قد سبقه الإمكان. و القبل المعدوم موجود مع وجوده، فهو إذن معنى موجود، و كل
[١] و الموجود إما حادث و إما غير حادث. قال بعض المتأخرين: الحادث إذا قيل أن له أول، يعنون أن لزمان وجوده أول. و القديم هو الذي ليس لزمان وجوده أول، و هو غير متين، فإن من القديم ما ليس لوجوده زمان. بل الحقيقة أن القديم ليس وجوده زمانيا، و أما القديم العرفي فإنه في الحقيقة حادث و لزمان وجوده أول، و القديم إذا عني به واجب الوجود فلا قديم إلا واحد و ما سواه حادث، و هو كل ممكن، و إن عنى به ما يسبقه العدم الزماني فمقابله الدائم الوجود، و من الأشياء التي هي غير واجب الوجود ما ليس بحادث هذا الحدوث، و على الاصطلاحات كلها لا يخرج الشيء من القدم و الحدث.
(الحكمة الإلهية ص ٣٢٤).