الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٥٢
قال: و إنما رتبنا هذا الترتيب في العقل و الوهم خاصة دون الحس، و ذلك أن الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط. فلم نقدر في الوجود جوهرا مطلقا قابلا للأبعاد ثم لحقته الأبعاد، و لا جسما عاريا عن هذه الكيفيات، ثم عرض له ذلك، و إنما هو عند نظرنا فيما هو أقدم بالطبع، و أبسط في الوهم و العقل.
ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون و الفساد، و لا يطرأ عليها الاستحالة و التغير، و هي طبيعة السماء، و ليس يعني بالخامسة طبيعة من جنس هذه الطبائع بل معنى ذلك أن طبائعها خارجة عن هذه. ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة، و يتحرك بحركة خاصة، و لكل متحرك محرك مزاول، و محرك مفارق، و المتحركات أحياء ناطقون، و الحيوانية و الناطقية لها بمعنى آخر. و إنما يحمل ذلك عليها و على الإنسان بالاشتراك، فترتيب العالم كله علويه و سفليه على نظام واحد، و صار النظام في الكل محفوظا بعناية المبدأ الأول على أحسن ترتيب و أحكم قوام، متوجها إلى الخير، و ترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على نوع نوع ليس على ترتيب المساواة، فليس حال السباع كحال الطير، و لا حالها كحال النبات، و لا حال النبات كحال الحيوان.
قال: و ليس مع هذا التفاوت منقطعا بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى بعض، بل هناك مع الاختلاف اتصال و إضافة جامعة للكل، تجمع الكل إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود و النظام في الوجود على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عنه. قال: و ترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل الواحد من الأرباب، و الأحرار، و العبيد، و البهائم، و السباع. فقد جمعهم صاحب المنزل، و رتب لكل واحد منهم مكانا خاصا، و قدر له عملا خاصا. ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا و أحبوا، فإن ذلك يؤدي إلى تشويش النظام. فهم و إن اختلفوا في مراتبهم، و انفصل بعضهم عن بعض بأشكالهم و صورهم، منتسبون إلى مبدأ واحد، صادرون عن رأيه و أمره، مصرفون تحت حكمه و قدره، فكذلك تجري الحال في العالم، بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها أفعال مخصوصة، مثل