الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٣
و لا بد من سانّ و معدل. و لا بد من أن يكون بحيث يخاطب الناس و يلزمهم السنة.
فلا بد من أن يكون إنسانا. و لا يجوز أن يترك الناس و آراءهم في ذلك فيختلفون، و يرى كل واحد منهم ما له عدلا، و ما عليه ظلما. فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الإنسان أشد من الحاجات إلى إنبات الشعر على الأشفار و الحاجبين.
فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي أمثال تلك المنافع، و لا تقتضي هذه التي هي أسها. و لا يجوز أن يكون المبدأ الأول و الملائكة بعده يعلم تلك و لا يعلم هذا.
و لا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده. الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد. بل كيف يجوز أن لا يوجد و ما هو متعلق بوجوده و مبني على وجوده موجود؟ فلا بد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند ربه تعالى. يدعوهم إلى التوحيد، و يمنعهم من الشرك، و يسن لهم الشرائع و الأحكام، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و ينهاهم عن التباغض و التحاسد، و يرغبهم في الآخرة و ثوابها. و يضرب لهم للسعادة و الشقاوة أمثالا تسكن إليها نفوسهم. و أما الحق فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا، و هو أن ذلك شيء لا عين رأته، و لا أذن سمعته. ثم تكريره عليهم العبادات ليحصل لهم بعده تذكر المعبود بالتكرير. و المذكرات إما حركات، و إما إعدام حركات تفضي إلى حركات.
فالحركات كالصلوات و ما في معناها. و إعدام الحركات كالصيام و نحوه. و إن لم يكن لهم هذه المذكرات تناسوا جميع ما دعاهم إليه مع انقراض قرن أو قرنين.
و ينفعهم ذلك أيضا في المعاد منفعة عظيمة. فإن السعادة في الآخرة بتنزيه النفس عن الأخلاق الرديئة و الملكات الفاسدة فيتقرر لها بذلك هيئة الانزعاج عن البدن، و تحصل لها ملكة التسلط عليه فلا تنفعل عنه. و تستفيد منه ملكة الالتفات إلى جهة الحق و الإعراض عن الباطل. و تصير شديدة الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية. و هذه الأفعال لو فعلها فاعل و لم يعتقد أنها فريضة من عند اللّه تعالى، و كان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن يتذكر اللّه، و يعرض عن غيره لكان جديرا بأن يفوز من هذا الذكاء بحظ. فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي