الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٧
و أبطل الكون و الاستحالة و النمو، و قال: الهواء لا يستحيل نارا، و لا الماء هواء و لكن ذلك بتكاثف و تخلخل، و بكمون و ظهور، و تركب و تحلل. و إنما التركب في المركبات بالمحبة يكون و التحلل في المتحللات بالغلبة يكون [١].
و مما نقل عنه أيضا: أنه تكلم في الباري تعالى بنوع حركة و سكون، فقال:
إنه متحرك بنوع سكون، لأن العقل و العنصر متحركان بنوع سكون، و هو مبدعهما، و لا محالة أن المبدع أكبر، لأنه علة كل متحرك و ساكن، و شايعه على هذا الرأي فيثاغورس و من بعده من الحكماء إلى أفلاطون. و أما زينون الأكبر، و ديمقريط، و الشاعريون فصاروا إلى أنه تعالى متحرك. و قد سبق النقل عن أنكساغورس أنه قال: هو ساكن لا يتحرك لأن الحركة لا تكون إلا محدثة. ثم قال: إلا أن تقولوا إن تلك الحركة فوق هذه الحركة كما إن ذلك السكون فوق هذا السكون.
و هؤلاء ما عنوا بالحركة و السكون النقلة عن مكان و اللبث في مكان، و لا بالحركة التغير و الاستحالة، و لا بالسكون ثبات الجوهر و الدوام على حالة واحدة، فإن الأزلية و القدم تنافي هذه المعاني كلها.
و من يحترز ذلك الاحتراز عن التكثر، فكيف يجازف هذه المجازفة في التغير؟ فأما الحركة و السكون في العقل و النفس، فإنما عنوا بهما الفعل و الانفعال، و ذلك أن العقل لما كان موجودا كاملا بالفعل قالوا: هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلا و النفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال، قالوا: هي
[١] العالم عند أمبادقليس سائر في حلقة متصلة يبدأ من حيث ينتهي و ينتهي من حيث يبدأ، و هو يصوره لنا في صورة الكرة، لأنه في الكرة لا يوجد تنازع بل كلها استواء في استواء. و عن هذا الخليط ينشأ الوجود، و ذلك بدخول مبدأ الكراهية في هذا الخليط السائدة فيه المحبة وحدها، و ذلك لأنه لكي يتم الوجود لا بدّ أن يأتي زمان ينتقل فيه الكون، الذي هو المحبة إلى الحركة التي توجد فيها الكراهية أو تتم عن طريقها الكراهية. و أول ما يتم ذلك بأن يأتي مبدأ الكراهية و يدخل في هذا الخليط الأول و يحدث انفصالا تاما بين جميع الجزئيات، ثم يأتي جزء من مبدأ المحبة أو مبدأ المحبة نفسه فيدخل جزءا من الخليط المشتت و بدخوله يحدث تجمعا بين الجزئيات المنفصلة و يتم هذا التجمع على شكل دوامة، و بعد هذا ينشأ الوجود من هذه الدوامة الأولى. (موسوعة الفلسفة ١: ٢٢٨).