الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٨٤
فعلى الأولى قالوا: أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [١] إلى أمثالها من الآيات، و عبروا عن ذلك في أشعارهم فقال بعضهم:
حياة ثمّ موت ثمّ نشر
حديث خرافة يا أمّ عمرو [٢]
و لبعضهم [٣] في مرثية أهل بدر من المشركين:
فما ذا بالقليب، قليب بدر
من الشيزى [٤] تكلّل بالسّنام
يخبّرنا الرّسول بأن سنحيا
و كيف حياة أصداء و هام [٥]؟
و من العرب من يعتقد التناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ و أجزاء بنيته فانتصب طيرا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة. و عن هذا أنكر عليهم الرسول عليه الصلاة و السلام فقال: «لا هامة و لا عدوى، و لا صفر».
و أما على الشبهة الثانية فكان إنكارهم لبعث الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم في الصورة البشرية أشد، و إصرارهم على ذلك أبلغ، و أخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [٦]* أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [٧] فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتي ملك من السماء وَ قالُوا
[١] سورة الصافات: الآيتان ١٦ و ١٧.
[٢] و قيل إنه لعبد اللّه بن الزبعرى، قبل أن يسلم، و النشر إحياء الميت.
[٣] و قائلها هو أبو بكر بن الأسود الليثي، و هو شداد بن الأسود، و هي من قصيدة قالها في رثاء قتلى بدر.
[٤] الشيزى: شجر تتخذ منه الجفان، و هي القصاع.
[٥] الصدى: كانت العرب تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير، و كان أبو عبيدة يقول: إنهم كانوا يسمون ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت إذا بلي الصدى، و كانت العرب تقول: إذا قتل قتيل فلم يدرك به الثأر خرج من رأسه طائر كالبومة و هي الهامة، و الذكر الصدى، فيصيح على قبره:
اسقوني اسقوني! فإن قتل قاتله كفّ عن الصياح. (لسان العرب مادة صدي).
[٦] سورة الإسراء: الآية ٩٤.
[٧] سورة التغابن: من الآية ٦ و تمامها: ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.