الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٦
و تارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة. و لكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، و لا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو فعلي كلي، و مع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، ف لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ [٣].
و أما كيفية ذلك، فلأنه إذا عقل ذاته، و عقل أنه مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات و ما يتولد عنها، و لا شيء من الأشياء يوجد إلا و قد صار من جهة ما واجبا بسببه، فتكون الأسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد عنها الأمور الجزئية.
فالأول يعلم الأسباب و مطابقاتها، فيعلم ضرورة ما تتأدى إليه، و ما بينها من الأزمنة، و ما لها من العودات، فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية، أعني من حيث لها صفات و إن تخصصت بها شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص، أو حالة متشخصة، و كونه يعقل ذاته و نظام الخير الموجود في الكل و نفس مدركة من الكل هو سبب لوجود الكل و مبدأ له، و إبداع و إيجاد، و لا يستبعد هذا. فإن الصورة المعقولة التي تحدث فينا تصير سببا للصورة الموجودة الصناعية. و لو كانت بنفس وجودها كافية لأن تتكون منها الصورة الصناعية دون آلات و أسباب لكان المعقول عندنا هو بعينه الإرادة و القدرة، و هو العقل المقتضى لوجوده فواجب الوجود ليست إرادته و قدرته مغايرة لعلمه، لكن القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ الكل، لا مأخوذا عن الكل، و مبدأ بذاته لا متوقفا على غرض و ذلك هو الإرادة، و هو جواد بذاته، و ذلك هو بعينه قدرته و إرادته و علمه، فالصفات منها ما هو بهذه الصفة أي أنه موجود مع هذه الإضافة. و منها ما له هذا الوجود مع سلب، فمن لم يتحاش عن إطلاق لفظ الجوهر لم يعن به إلا هذا الوجود مع سلب الكون في موضوع. و هو واحد، أي مسلوب عنه القسمة بالكم أو القول، أو مسلوب عنه الشريك.
[٣] سورة سبأ: الآية ٣.