الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦١٥
أبدانهم، و منهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضا ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع؛ و منهم من إذا رأى عمره قد تنفس ألقى بنفسه في النار، تزكية لنفسه، و تطهيرا لبدنه، و تخليصا لروحه، و منهم من يجمع ملاذ الدنيا من الطعام و الشراب و الكسوة فيمثلها نصب عينيه لكي يراها البصر و تتحرك نفسه البهيمية إليها فتشتاقها و تشتهيها، فيمنع نفسه عنها بقوة النفس المنطقية حتى يذبل البدن، و تضعف النفس، و تفارق البدن لضعف الرباط الذي كان يربطها به.
و أما الفريق الآخر: فإنهم كانوا يرون التناسل و الطعام و الشراب و سائر اللذات بالقدر الذي هو طريق الحق حلالا.
و قليل منهم من يتعدى عن الطريق و يطلب الزيادة.
و كان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة و العلم فتلطفوا حتى صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير و الشر، و يخبرون بذلك فيزيدهم ذلك حرصا على رياضة الفكر، و قهر النفس الأمارة بالسوء، و اللحوق بما لحق به أصحابهم.
و مذهبهم في الباري تعالى أنه نور محض؛ إلا أنه لابس جسدا ما يستتر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته و استحقها كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان، فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه، و إذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه، و يزعمون أنهم كالسبايا في هذا العالم، فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلي، و من لم يمنعها بقي أسيرا في بدنها؛ و الذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر و العجب، و تسكين الشهوة، و الحرص، و البعد عما يدل عليها و يوصل إليها.
٢- الإسكندر في الهند
و لمّا وصل الإسكندر إلى تلك الديار و أراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة أحد الفريقين، و هم الذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر القصد