الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦١٤
الفصل الخامس حكماء الهند
كان لفيثاغورس الحكيم اليوناني تلميذ يدعى قلانوس، قد تلقى الحكمة منه، و تلمذ له. ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند، و أشاع فيها مذهب فيثاغورس.
و كان برخمنين رجلا جيد الذهن، نافذ البصيرة، صائب الفكر، راغبا في معرفة العوالم العلوية، قد أخذ من قلانوس الحكيم حكمته، و استفاد منه علمه و صنعته. فلما توفي قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم، فرغب الناس في تلطيف الأبدان، و تهذيب الأنفس، و كان يقول: أيّ امرئ هذب نفسه و أسرع الخروج عن هذا العالم الدنس، و طهّر بدنه من أوساخه، ظهر له كل شيء، و عاين كل غائب، و قدر على كل متعذر. و كان محبورا مسرورا، ملتذا عاشقا، لا يمل و لا يكل، و لا يمسه نصب و لا لغوب [١]، فلما نهج لهم الطريق و احتج عليهم بالحجج المقنعة؛ اجتهدوا اجتهادا شديدا، و كان يقول أيضا: إن ترك لذات هذا العالم هو الذي يلحقكم بذلك العالم حتى تتصلوا به و تنخرطوا في سلكه، و تخلدوا في لذاته و نعيمه، فدرس أهل الهند هذا القول و رسخ في عقولهم.
١- اختلاف الهنود بعد وفاة برخمنين
ثم توفي عنهم برخمنين و قد تجسم القول في عقولهم لشدة الحرص و العجلة في اللحاق بذلك العالم، فافترقوا فرقتين:
فرقة قالت: إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه، إذ هو نتيجة اللذة الجسدانية، و ثمرة النطفة الشهوانية فهو حرام، و ما يؤدي إليه من الطعام اللذيذ، و الشراب الصافي، و كل ما يهيج الشهوة و اللذة الحيوانية، و ينشط القوة البهيمية فهو حرام أيضا، فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به
[١] النصب و اللغوب: التعب و الإعياء.