الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٠٢
مذاهبهم، و هؤلاء البراهمة إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له براهم، و قد مهد لهم نفي النبوات أصلا، و قرر استحالة ذلك في العقول بوجوده:
منها أن قال إن الذي يأتي به الرسول لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون معقولا و إما أن لا يكون معقولا. فإن كان معقولا فقد كفانا العقل التام بإدراكه و الوصول إليه، فأي حاجة لنا إلى الرسول؟ و إن لم يكن معقولا فلا يكون مقبولا، إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد الإنسانية، و دخول في حريم البهيمية.
و منها أن قال: قد دل العقل على أن اللّه تعالى حكيم، و الحكيم لا يتعبد الخلق إلا بما تدل عليه عقولهم. و قد دلت الدلائل العقلية على أن للعالم صانعا عالما قادرا حكيما، و أنه أنعم على عباده نعما توجب الشكر، فننظر في آيات خلقه بعقولنا و نشكره بآلائه علينا. و إذا عرفناه و شكرنا له استوجبنا ثوابه. و إذا أنكرناه و كفرنا به استوجبنا عقابه. فما بالنا نتبع بشرا مثلنا؟ فإنه إن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلا ظاهرا على كذبه.
و منها أن قال: قد دل العقل على أن للعالم صانعا حكيما و الحكيم لا يتعبد الخلق بما يقبح في عقولهم، و قد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث العقل، من التوجه إلى بيت مخصوص في العبادة و الطواف حوله، و السعي و رمي الجمار، و الإحرام، و التلبية، و تقبيل الحجر الأصم، و كذلك ذبح الحيوان، و تحريم ما يمكن أن يكون غذاء للإنسان و تحليل ما ينقص من بنيته، و غير ذلك، و كل هذه الأمور مخالفة لقضايا العقول.
و منها أنه قال: إن أكبر الكبائر في الرسالة اتباع رجل هو مثلك في الصورة و النفس و العقل، يأكل مما تأكل، و يشرب مما تشرب؛ حتى تكون بالنسبة إليه كجماد يتصرف فيك رفعا و وضعا، أو كحيوان يصرفك أماما و خلفا، أو كعبد يتقدم إليك أمرا و نهيا؛ فأي تميز له عليك؟ و أية فضيلة أوجبت استخدامك؟ و ما دليله على صدق دعواه؟ فإن اغتررتم بمجرد قوله: فلا تمييز لقول على قول، و إن انحسرتم