الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٩٩
و قال القلمس [١] بن أمية الكناني يخطب العرب بفناء مكة: أطيعوني ترشدوا.
قالوا: و ما ذاك؟ قال: إنكم قد تفرقتم بآلهة شتى، و إني لأعلم ما اللّه راض به، و إن اللّه رب هذه الآلهة، و إنه ليحب أن يعبد وحده.
قال: فتفرقت عنه العرب حين قال ذلك، و تجنبت عنه طائفة أخرى، و زعمت أنه على دين بني تميم.
قال: و كانوا يغتسلون من الجنابة و يغسلون موتاهم. قال الأفوه [٢] الأودي:
ألا عللاني و اعلما أنّني غرر [٣]
فما قلت ينجيني الشّقاق و لا الحذر
و ما قلت يجديني ثيابي إذا بدت
مفاصل أوصالي و قد شخص البصر
و جاءوا بماء بارد يغسلونني
فيا لك من غسل سيتبعه كبر [٤]
قال: و كانوا يكفنون موتاهم و يصلون عليهم، و كانت صلاتهم إذا مات الرجل حمل على سريره، ثم يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها، و يثني عليه ثم يدفن؛ ثم يقول: عليك رحمة اللّه و بركاته.
[١] القلمس بن أمية الكناني: هو آخر من نسأ الشهور في الجاهلية و النسء في اللغة التأخير. و كانت العرب تؤخر أياما من كل سنة ليكون حجها في وقت واحد، ثم اعتادت أن تنسأ بعض الشهور ليحل لها القتال في الأشهر الحرم. و كان النسء يعلن أيام اجتماع الحجيج في (منى)، و قد تولى إعلانه القلمس وراثة عن أبيه، و أبوه عن جده، و استمر نحو أربعين سنة. و ظهر الإسلام فأبطل ذلك، و يقال: كان اسمه (جنادة) و القلمس لقبه، و معناه السيد أو الداهية البعيد الغور يلقب به كل من تولى نسء الشهور. و هو من الخطباء الوعاظ قبل الإسلام. كان يخطب بفناء الكعبة و كانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يعظها و يوصيها. (راجع تفسير القرطبي ٨: ١٣٧ و التاج في مادتي نسأ و قلس).
[٢] الأفوه الأودي: هو صلاءة بن عمرو بن مالك من بني أود من مذحج، شاعر يماني جاهلي، يكنى أبا ربيعة، و هو أحد الحكماء و الشعراء في عصره. أشهر شعره أبياته التي منها:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
و لا سراة إذا جهالهم سادوا
متوفى نحو ٥٠ ق. ه/ ٥٧٠ م. (راجع الشعر و الشعراء ٥٩ و شعراء النصرانية ص ٧٠).
[٣] الغرر: الهالك.
[٤] و في نسخة «ستتبعه غير» و في نسخة أخرى «سيتبعه غبر».