الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٨٠
الشرع الأخير، و تقبل اللّه تعالى ذلك منهما، و بقي الشرف و التعظيم إلى زماننا و إلى يوم القيامة دلالة على حسن القبول فاختلفت آراء العرب في ذلك.
و أول من وضع فيه الأصنام عمرو [١] بن لحيّ بن غالوثة بن عمرو بن عامر؛ لما ساد قومه بمكة، و استولى على أمر البيت. ثم صار إلى مدينة البلقاء [٢] بالشام فرأى هناك قوما يعبدون الأصنام فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية و الأشخاص البشرية، نستنصر بها فننصر، و نستسقي بها فنسقى، و نستشفي بها فنشفى فأعجبه ذلك و طلب منهم صنما من أصنامهم فدفعوا إليه «هبل» [٣] فسار به إلى مكة و وضعه في الكعبة و كان معه إساف و نائلة [٤] على شكل زوجين. فدعا الناس إلى تعظيمها و التقرب إليها، و التوسل بها إلى اللّه تعالى.
و كان ذلك في أول ملك شابور ذي الأكتاف، إلى أن أظهر اللّه تعالى الإسلام فأخرجت و أبطلت. و بهذا يعرف كذب من قال: إن بيت اللّه الحرام إنما هو بيت زحل؛ بناه الباني الأول على طوالع معلومة و اتصالات مقبولة، و سماه بيت زحل؛ و لهذا المعنى اقترن الدوام به بقاء، و التعظيم له لقاء؛ لأن زحل يدل على البقاء و طول العمر أكثر مما يدل عليه سائر الكواكب. و هذا خطأ لأن الباني الأول كان مستندا إلى الوحي على يدي أصحاب الوحي.
[١] عمرو بن لحي: هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي من قحطان: أول من غيّر دين إسماعيل و دعا العرب إلى عبادة الأوثان. كنيته أبو ثمامة. و في نسبه خلاف شديد. و في العلماء من يجزم بأنه مضري من عدنان لحديث انفرد به أبو هريرة. و هو جد (خزاعة) عند كثير من النسابين و رئيسها عند بعضهم. و كان قد أعجب بأصنام (مآب) فأخذ عددا منها فنصبها بمكة و دعا الناس إلى تعظيمها و الاستشفاء بها، فكان أول من فعل ذلك من العرب. (الأصنام لابن الكلبي ص ٨ و البداية و النهاية ٢: ١٨٧).
[٢] البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام و وادي القرى، قصبتها عمان. (معجم البلدان ١: ٤٨٩).
[٣] هبل: اسم صنم كان في الكعبة لقريش.
[٤] إساف و نائلة: هو إساف بن يعلي، و كان من جرهم، و نائلة بنت زيد من جرهم، و كان يتعشقها في أرض اليمن فأقبلوا حجاجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس و خلوة في البيت، ففجر بها في البيت فمسخا، فوجدوهما مسخين فأخرجوهما فوضعوهما عند الكعبة ليتعظ الناس بهما فعبدتهما خزاعة و قريش و من حجّ البيت بعد من العرب. (الأصنام ص ٢٩).