الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٦
فيستحيل ماء و تجمد جسما سائلا فيستحيل حجرا. و نسبة هذه النفس إلى تلك النفوس كنسبة السراج إلى الشمس. فكما أن الشمس تؤثر في الأشياء تسخينا بالإضاءة، كذلك السراج يؤثر بقدره. و أنت تعلم أن للنفس تأثيرات جزئية في البدن، فإنه إذا حدث في النفس صورة الغلبة و الغضب حمي المزاج و احمر الوجه.
و إذا حدثت صورة مشتهاة فيها حدثت في أوعية المنيّ حرارة مبخرة مهيجة للريح، حتى تمتلئ به عروق آلة الوقاع فتستعد له، و المؤثر هاهنا مجرد التصور لا غير.
و الخاصية الثانية: أن تصفو النفس صفاء يكون شديد الاستعداد للاتصال بالعقل الفعال حتى يفيض عليها العلوم، فإنا قد ذكرنا حال القوة القدسية التي تحصل لبعض النفوس حتى تستغني في أكثر أحوالها عن التفكر و التعلم. فالشريف البالغ منها: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ* نُورٌ عَلى نُورٍ [١].
و الخاصية الثالثة للقوة المتخيلة: بأن تقوى النفس، و تتصل في اليقظة بعالم الغيب كما سبق، و تحاكي المتخيلة ما أدركته النفس بصورة جميلة و أصوات منظومة فترى في اليقظة و تسمع، فتكون الصورة المحاكية للجوهر الشريف صورة عجيبة في غاية الحسن و هو الملك الذي يراه النبي [٢]، و تكون المعارف التي تتصل بالنفس من اتصالها بالجواهر الشريفة تتمثل بالكلام الحسن المنظوم الواقع في الحس المشترك، فيكون مسموعا.
قال: و النفوس و إن اتفقت في النوع إلا أنها تتمايز بخواص، و تختلف أفاعيلها اختلافات عجيبة.
[١] سورة النور: الآية ٣٥.
[٢] الملك: هو واحد الملائكة، يقول ابن سينا في رسائله: الملائكة ذواتها حقيقية و لها ذوات بحسب القياس إلى الناس، فأما ذواتها الحقيقية فأمرية، و إنما يلاقيها من القوى البشرية الروح القدسية الإنسانية، فإذا تخاطبا انجذب الحس الباطن و الظاهر إلى نوره فيتمثل لها من الملك بحسب ما يحتملها فرأى ذلك على غير صورته و يسمع كلامه صوتا بعد ما هو وحي، و الوحي لوح من مراد الملك للروح الإنساني بلا واسطة و ذلك هو الكلام الحقيقي.