الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٣
ذلك أيضا أن كل شيء يبقى و له قوة أن يفسد فله قوة أن يبقى أيضا؛، لأن بقاءه ليس بواجب ضروري، و إذا لم يكن واجبا كان ممكنا. و الإمكان هو طبيعة القوة.
فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى و فعل أن يبقى؛ فيكون فعل أن يبقى منه أمرا يعرض للشيء الذي له قوة أن يبقى، فذلك الشيء الذي له القوة على البقاء و فعل البقاء أمر مشترك البقاء له كالصورة، و قوة البقاء له كالمادة، فيكون مركبا من مادة و صورة، و قد فرضناه واحدا فردا، هذا خلف. فقد بان أن كل أمر بسيط فغير مركب فيه قوة أن يبقى و فعل أن يبقى بل ليس فيه قوة أن يعدم باعتبار ذاته. و الفساد لا يتطرق إلا إلى المركبات. و إذا تقرر أن البدن إذا تهيأ و استعد استحق من واهب الصور نفسا تدبره، و لا يختص هذا ببدن دون بدن، بل كل بدن حكمه كذلك. فإذا استحق النفس و قارنته في الوجود فلا يجوز أن تتعلق به نفس أخرى، لأنه يؤدي إلى أن يكون لبدن واحد نفسان و هو محال، فالتناسخ إذن بطل.
المقالة السادسة:
في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل، و أحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة و الكاذبة، و إدراكها علم الغيب، و مشاهدتها صورا لا وجود لها من خارج تلك الوجوه، و معنى النبوة و المعجزات و خصائصها التي تتميز بها عن المخاريق.
أما الأول: فقد بينا أن النفس الإنسانية لها قوة هيولانية [١]، أي استعداد لقبول المعقولات بالفعل، و كل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل، و ذلك السبب يجب أن يكون موجودا بالفعل، فإنه لو كان موجودا بالقوة لاحتاج إلى مخرج آخر. فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى مخرج هو موجود بالفعل لا قوة فيه، فلا يجوز أن يكون ذلك جسما لأن الجسم مركب من
[١] إن في الإنسان قوة تباين به سائر الحيوان و غيره، و هي المسماة بالنفس الناطقة، أو النفس الإنسانية، و هي موجودة في جميع الناس على الإطلاق.