الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٩
إذن جوهر معقول، علاقته مع البدن لا علاقة حلول و لا علاقة انطباع بل علاقة التدبير و التصرف. و علاقته من جهة العلم الحواس الباطنة المذكورة، و علاقته من جهة العمل القوى الحيوانية المذكورة فيتصرف في البدن. و له فعل خاص يستغني به عن البدن و قواه، فإن من شأن هذا الجوهر أن يعقل ذاته، و يعقل أنه عقل ذاته.
و ليس بينه و بين ذاته آلة، و لا بينه و بين آلته آلة، فإن إدراك الشيء لا يكون إلا بحصول صورته فيه. و ما يقدر آلة من قلب أو دماغ لا يخلو إما أن تكون صورته بعينها حاصلة للعقل حاضرة. و إما أن تكون صورة غيرها بالعدد حاصلة، و باطل أن تكون صورة الآلة حاضرة بعينها، فإنها في نفسها حاصلة أبدا، فيجب أن يكون إدراك النقل لها حاصلا أبدا، و ليس الأمر كذلك، فإنه تارة يعقل، و تارة يعرض عن الإدراك، و الإعراض عن الحاضر محال. و باطل أن تكون الصور غير الآلة بالعدد، فإنها إما أن تحل في نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل ذلك على أنها قائمة بنفسها و ليست في الجسم. و إما بمشاركة الجسم حتى لا تكون هذه الصورة المغايرة في نفس القوة العقلية و في الجسم الذي هو الآلة. فيؤدي إلى اجتماع صورتين متماثلتين في جسم واحد، و هو محال. و المغايرة بين أشياء تدخل في حد واحد، إما لاختلاف المواد أو لاختلاف ما بين الكلي و الجزئي و ليس هذان الوجهان، فثبت أنه لا يحرز أن يدرك المدرك آلة هي آلته في الإدراك.
و لا يختص ذلك بالعقل، فإن الحس إنما يحس شيئا خارجا و لا يحس ذاته و لا آلته و لا إحساسه، و كذلك الخيال لا يتخيل ذاته و لا فعله و لا آلته، و لهذا [١] فإن القوى الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل و الأمور القوية و الشاقة الإدراك توهنها و ربما تفسدها، كالضوء الشديد للبصر، و الرعد القوي للسمع. و كذلك عند إدراك القوى لا يقوى على إدراك الضعيف [٢]. و الأمر في القوة
[١] و هذا برهان آخر على أن تعقل القوة العقلية ليس بالآلة الجسدية.
[٢] فالمبصر للنور العظيم لا يبصر معه و لا بعده نورا ضعيفا، و السامع للصوت القوي لا يسمع معه أو بعده صوتا ضعيفا ...