الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٧
المقالة الخامسة:
في أن النفس الإنسانية جوهر ليس بجسم و لا قائم بجسم. و أن إدراكها قد يكون بآلات و قد يكون بذاتها بغير آلات و أنها واحدة و قواها كثير، و أنها حادثة مع حدوث البدن و باقية بعد فناء البدن.
أما البرهان على أن النفس ليست بجسم هو أنا نحس من ذواتنا إدراكا معقولا مجردا عن المواد و عوارضها، أعني الكم و الأين و الوضع، إما لأن المدرك لذاته مجرد كالعلم بالوحدة و العلم بالوجود مطلقا، و إما لأن العقل جرده عن العوارض كالإنسان مطلقا. فيجب أن ينظر في ذات هذه الصورة المجردة كيف هي في تجردها؟ أ بالقياس إلى الشيء المأخوذ عنه؟ أم بالقياس إلى مجرد الآخذ؟ و لا يشك أنها بالقياس إلى المأخوذ عنه ليست مجردة، فبقي أنها مجردة من الوضع و الأين عند وجودها في العقل. و الجسم ذو وضع و أين، و ما لا وضع له لا يحل ما له وضع و أين. و هذه الطريقة أقوى الطرق، فإن الشيء المعقول الواحد الذات المتجرد عن المادة لا يخلو، إما أن يكون له نسبة إلى بعض الأجزاء دون البعض فيحل في جهة دون جهة حتى يكون متيامنا أو متياسرا بالنسبة إلى المحل. أو تكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، أو لا يكون لها نسبة إليه و لا له إلى جميع الأجزاء فإن ارتفعت النسبة من كل وجه ارتفع الحلول في جملة الجسم أو في جزء من أجزائه.
و إن تحققت النسبة صار الشيء المعقول ذا وضع و قد وضع غير ذي وضع، هذا خلف. و به يتبين أن الصورة المنطبعة في المادة لا تكون إلا أشباحا لأمور جزئية منقسمة، و لكل جزء منها نسبة بالفعل أو بالقوة إلى جزء منها. و أيضا فإن الشيء المتكثر في أجزاء الحد له من جهة التمام وحدة هو بها لا ينقسم. فتلك الوحدة بما هي وحدة كيف ترتسم في منقسم؟ و أيضا من شأن القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحدا واحدا من المعقولات غير متناهية بالقوة و ليس واحد أولى من الآخر. و قد صح لنا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن يكون محله جسما و لا قوة في جسم.