الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٥
تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني غير المحسوسة في المحسوسات. و نسبة الحافظة إلى الوهمية كنسبة الخيال إلى الحس المشترك، إلا أن ذلك في المعاني و هذا في الصورة فهذه خمس قوى الحيوانية [١].
و أما النفس الناطقة للإنسان فتنقسم قواها أيضا إلى قوة عالمة، و قوة عاملة.
و كل واحد من القوتين يسمى عقلا باشتراك الاسم. فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء تخصها إصلاحية. و لا اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية. و اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة و المتوهمة، و اعتبار بالقياس إلى نفسها. و قياسها إلى النزوعية أن تحدث عنها فيها هيئات تخص الإنسان تتهيأ بها لسرعة فعل و انفعال، مثل الخجل، و الحياء، و الضحك، و البكاء. و قياسها إلى المتخيلة و المتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في الأمور الكائنة و الفاسدة. و استنباط الصناعات الإنسانية. و قياسها إلى نفسها أن فيما بينها و بين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة المشهورة، مثل: إن الكذب قبيح، و الصدق حسن. و هذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة العاقلة حتى لا تنفعل عنه البتة بل ينفعل عنها، فلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية، و هي التي تسمى أخلاقا رذيلة، بل تحدث في القوى البدنية هيئات انقيادية لها، و تكون متسلطة عليها [٢].
و أما القوة العالمة النظرية. فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، فإن كانت مجردة بذاتها فذاك. و إن لم تكن فإنها تصيرها
[١] و من الحيوان ما يكون له الحواس الخمس كلها، و منه ما له بعضها دون بعض. أما الذوق و اللمس فضروري ان يخلق في كل حيوان، و لكن من الحيوان ما لا يشم، و منه ما لا يسمع، و منه ما لا يبصر.
[٢] فيكون لها أخلاق فضيلية، و يجوز أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية، و لكن إن كانت هي الغالبة تكون لها هيئة فعلية و لهذه هيئة انفعالية فيكون شيء واحد يحدث منه خلق في هذا و خلق في ذلك، و إن كانت هي المغلوبة يكون لها هيئة انفعالية و لهذه هيئة فعلية غير غريبة، أو يكون الخلق واحدا و له نسبتان.