الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٤
من المحسوس من غير أن يدركه الحس أولا، مثل إدراك الشاة المعنى المضادّ في الذئب الموجب لخوفها إياه و هربها عنه [١]. و من المدركات الباطنة ما يدرك و يفعل، و منها ما يدرك و لا يفعل. و الفرق بين القسمين: أن الفعل فيها هو أن تركت الصور و المعاني المدركة بعضها مع بعض، و تفصل بعضها عن بعض، فيكون إدراك و فعل أيضا فيما أدرك، و الإدراك لا مع الفعل هو أن تكون الصورة أو المعنى ترتسم في القوة فقط من غير أن يكون لها فعل و تصرّف فيه. و من المدركات الباطنة ما يدرك أولا، و منها ما يدرك ثانيا. و الفرق بين القسمين: أن الإدراك الأول هو أن يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع للشيء من نفسه، و الإدراك الثاني هو أن يكون حصولها من جهة شيء آخر أدى إليها.
ثم من القوى الباطنة المدركة الحيوانية قوة «بنطاسيا» و هو الحس المشترك، و هي قوة مرتبة في التجويف الأول من مقدم الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمس متأدية إليه. ثم الخيال و المصورة، و هي قوة مرتبة في آخر التجويف المقدم من الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس. و يبقى فيها بعد غيبة المحسوسات [٢] و القوة التي تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية، و تسمى مفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية، فهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، و تفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار. ثم القوة الوهمية، و هي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، كالقوة الحاكمة بأن الذئب مهروب عنه، و أن الولد معطوف عليه. ثم القوة الحافظة الذاكرة، و هي قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ
[١] فالذي يدرك من الذئب أولا بالحس، ثم القوى الباطنة هو الصورة، و الذي تدركه القوى الباطنة دون الحس فهو المعنى.
[٢] و القوة التي بها القبول غير القوة التي بها الحفظ.