الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٦
أو برد، و رطوبة أو يبس. كما أنها إذا تركت و طباعها و لم يمنعها مانع ظهر منها إما سكون أو ميل و حركة فلذلك قيل قوة طبيعية، و قيل النار حارة بالطبع، و السماء متحركة بالطبع. فعرفت الأحياز الطبيعية، و الأشكال الطبيعية، و الحركات الطبيعية، و الكيفيات الطبيعية، و عرفت أن إطلاق الطبيعية عليها بأي وجه، فنقول بعد ذلك:
إن العناصر قابلة للاستحالة و التغير و بينها مادة مشتركة، و الاعتبار في ذلك بالمشاهدة، فإنا نرى الماء العذب انعقد حجرا جلمدا، و الحجر يكلس فيعود رمادا، و يرام بالحيلة حتى يصير ماء، فالمادة مشتركة بين الماء و الأرض، و نشاهد هواء صحوا يغلظ دفعة فيستحيل أكثره أو كله ماء و بردا و ثلجا، و نضع الجمد في كوز صفر فنجد من الماء المجتمع على سطحه كالقطر، و لا يمكن أن يكون ذلك بالرشح، لأنه ربما كان ذلك حيث لا يماسه الجمد و كان فوق مكانه ثم لا نجد مثله إذا كان حارا و الكوز مملوءا، و يجتمع مثل ذلك داخل الكوز حيث لا يماسه الجمد، و قد يدفن القدح في جمد محفور حفرا مهندما و يسد رأسه عليه فيجتمع فيه ماء كثير، و إن وضع في الماء الحار الذي يغلي مدة و استد رأسه لم يجتمع شيء، و ليس ذلك إلا لأن الهواء الخارج أو الداخل قد استحال ماء، فبين الماء و الهواء مادة مشتركة و قد يستحيل الهواء نارا، و هو ما نشاهد من آلات حاقنة مع تحريك شديد على صورة المنافخ، فيكون ذلك الهواء بحيث يشتعل في الخشب و غيره، و ليس ذلك على طريق الانجذاب، لأن النار لا تتحرك إلا على سبيل الاستقامة إلى العلو، و لا على طريق الكمون، إذ من المستحيل أن يكون في ذلك الخشب من النار الكامنة ما له ذلك القدر الذي في الجمرة و لا يحترق، و الكمون أجمع لها، و المنتشر أضعف تأثيرا من المجتمع، فتعين أنه هواء اشتعل نارا، فبين النار و الهواء مادة مشتركة، و نقول: إن العناصر قابلة للكبر و الصغر، و التكاثف و التخلخل، فيصير جسم أكبر من جسم من غير زيادة من خارج، و يصير أصغر من غير نقصان، فبين الكبير و الصغير مادة مشتركة، إذ قد تحقق أن المقدار عرض في الهيولى و الكبر و الصغر أعراض في الكميات. و قد نشاهد ذلك إذا أغلى الماء انتفخ