الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٥
عن ذلك الوضع أو الأين بالقوة. و كل جسم لا ميل له في طبعه فلا يقبل الحركة عن سبب خارج. فبالضرورة في طباعه حركة ما، إما لكله و إما لأجزائه حتى يكون متحركا في الوضع بحركة الأجزاء، و إذن صح أن كل قابل تحريك ففيه مبدأ ميل، ثم لا يخلو إما أن يكون على الاستقامة أو على الاستدارة و الأجسام السماوية لا تقبل الحركة المستقيمة كما سبق، فهي متحركة على الاستدارة و قد بينا استناد حركاتها إلى مبادئها.
و أما الكيف فنقول أولا: إن الأجسام السماوية ليست موادها مشتركة، بل هي مختلفة بالطبع، كما أن صورها مختلفة، و مادة الواحدة منها لا يصلح أن تتصور بصورة الأخرى. و لو أمكن ذلك كذلك لقلبت الحركة المستقيمة، و هو محال. فلها طبيعة خامسة مختلفة بالنوع، بخلاف طبائع العناصر، فإن مادتها مشتركة و صورها مختلفة. و هي تنقسم إلى حار يابس كالنار، و إلى حار رطب كالهواء، و إلى بارد رطب كالماء، و إلى بارد يابس كالأرض. و هذه أعراض فيها لا صور، و يقبل الاستحالة بعضها إلى بعض، و يقبل النمو و الذبول، و يقبل الآثار من الأجسام السماوية. و أما الكيفيات، فالحرارة و البرودة فاعلتان، فالحار هو الذي يغير جسما آخر بالتحليل و الخلخلة بحيث يألم الحاس منه، و البارد هو الذي يغير جسما بالتعقيد و التكثيف بحيث يألم الحاس منه، و أما الرطوبة و اليبوسة فمنفعلتان.
فالرطب هو سهل القبول للتفريق و الجمع، و التشكيل و الدفع. و اليابس هو عسر القبول لذلك. فبسائط الأجسام المركبة تختلف و تتمايز بهذه القوى الأربع، و لا يوجد شيء منها عديما لواحدة من هذه [١]. و ليست هذه صورا مقومة للأجسام، لكنها إذا تركت و طباعها و لم يمنعها مانع من خارج ظهر منها في أجرامها حر
[١] أي الواحدة من القوتين الفاعلتين، و واحدة من القوتين المنفعلتين لأن هذه الأجسام من شأنها أن تفترق و تجتمع و إلا لما اتصلت منها أجزاء فحصلت منها المركبات، و من شأنها أن تختلف عليها الأشكال و الهيئات فتقبلها و تحفظها، و التفريق و الجمع لا يتم إلا بقوة جامعة و أخرى مفرقة و التشكيل و حفظه لا يتم إلا بقوة سهلة القبول و أخرى عسرة الترك، فإذن الأسطقسات أربع: جسم حار يابس، و آخر حار رطب، و آخر بارد رطب، و آخر بارد يابس.