الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٤
و لا منافيا، أو بعضه طبيعيا و بعضه منافيا، و بطل أن يكون كل حيز له طبيعيا، لأنه يلزم منه أن يكون مفارقة كل مكان له خارجا عن طبعه أو التوجه إلى كل مكان له ملائما لطبعه. و ليس الأمر كذلك، فهو خلف. و بطل أن يكون كل حيز منافيا لطبعه، لأنه يلزم منه أن لا يسكن جسم البتة بالطبع و لا يتحرك أيضا، و كيف يسكن أو يتحرك بالطبع و كل مكان مناف لطبعه، و بطل أن يكون كل مكان لا طبيعيا و لا منافيا؛ لأنا إذا اعتبرنا الجسم على حالته و قد ارتفع عنه القواسر و العوارض فحينئذ لا بد له من حيز يختص به و يتحيز إليه و ذلك هو حيزه الطبيعي، فلا يزول عنه إلا بقسر قاسر. و تعين القسم الرابع أن بعض الأحياز له طبيعي، و بعضها غير طبيعي. و كذلك نقول في الشكل: إن لكل جسم شكلا ما بالضرورة لتناهي حدوده. و كل شكل فإما طبيعي له أو بقسر قاسر. و إذا ارتفعت القواسر في التوهم و اعتبرت الجسم من حيث هو جسم و كان في نفسه متشابه الأجزاء فلا بد أن يكون شكله كريا، لأن فعل الطبيعة في المادة واحد متشابه، فلا يمكن أن يفعل في جزء زاوية و في جزء خطا مستقيما أو منحنيا، فينبغي أن يتشابه الأجزاء، فيجب أن يكون الشكل كريا. و أما المركبات فقد تكون أشكالها غير كرية لاختلاف أجزائها.
فالأجسام السماوية كلها كرية. و إذا تشابهت أجزاؤها و قواها كان حيزها الطبيعي و جهتها واحدة، فلا يتصور أرضان في وسطين في عالمين، و لا ناران في أفقين، بل لا يتصور عالمان، لأنه قد ثبت أن العالم بأسره كري الشكل. فلو قدر كريان أحدهما بجنب الآخر كان بينهما خلاء و لا يتصلان إلا بجزء واحد لا ينقسم، و قد تقدم استحالة الخلاء، و أما الحركة فمن المعلوم أن كل جسم اعتبر ذاته من غير عارض، بل من حيث هو جسم في حيز؛ فهو إما أن يكون متحركا و إما أن يكون ساكنا. و ذلك ما نعنيه بالحركة الطبيعية و السكون الطبيعي، فنقول: إن كان الجسم بسيطا كانت أجزاؤه متشابهة. و أجزاء ما يلاقيه و أجزاء مكانه كذلك. فلم يكن بعض الأجزاء أولى بأن يختص ببعض أجزاء المكان من بعض؛ فلم يجب أن يكون شيء منها له طبيعيا، فلا يمتنع أن يكون على غير ذلك الوضع، بل في طباعه أن يزول