الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٩
الضدين هما اللذان موضوعهما واحد، و هما ذاتان يستحيل أن يجتمعا فيه و بينهما غاية الاختلاف. فتضاد الحركات ليس بتضاد المتحركين [١]، و لا بالزمان [٢]، و لا بتضاد ما يتحرك فيه، بل تضادهما هو بتضاد الأطراف و الجهات. فعلى هذا لا تضاد بين الحركة المستقيمة و الحركة المستديرة المكانية، لأنهما لا يتضادان في الجهات، بل المستديرة لا جهة فيها بالفعل، لأنها متصل واحد. فالتضاد في الحركات المكانية المستقيمة يتصور. فالهابطة ضد الصاعدة. و المتيامنة ضد المتياسرة. و أما التقابل بين الحركة و السكون فهو تقابل العدم و الملكة. و قد بينا أن ليس كل عدم هو السكون، بل هو عدم ما من شأنه أن يتحرك. و يختص ذلك بالمكان الذي تتأتى فيه الحركة. و السكون في المكان المقابل إنما يقابل الحركة عنه، لا الحركة إليه، بل ربما كان هذا السكون استكمالا لها.
و إذا عرفت ما ذكرناه سهل عليك معرفة الزمان بأن تقول:
كل حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة و أخرى معها على مقدارها و ابتدأتا معا، فإنهما يقطعان المسافة معا، و إن ابتدأت إحداهما و لم تبتدئ الأخرى و لكن تركتا الحركة معا، فإن إحداهما تقطع دون ما تقطعه الأولى. و إن ابتدأ معه بطيء و اتفقا في الأخذ و الترك وجد البطيء قد قطع أقل و السريع أكثر، و كان بين أخذ السريع الأول و تركه إمكان قطع مسافة معينة بسرعة معينة، و أقل منها ببطء معين، و بين أخذ السريع الثاني. و تركه إمكان أقل من ذلك بتلك السرعة المعينة،
[١] إذ لو كان تضاد الحركات لأنها عن متحركات متضادة لما كان و لا شيء من الأضداد يتحرك حركة واحدة، و أيضا لو كان تضاد الحركتين لأجل تضاد المتحركين بأن يكون حقيقة تضادهما هو تضاد المتحركين لكان كل حركتين متضادتين عن ضدين، و ذلك كذب لأن بعض الأشياء يوجد هو بعينه متحركا حركتين متضادتين لوجود حد التضاد لهما و ذلك كشيء واحد يبيض مرة و يسود أخرى و يعلو تارة و يسفل أخرى، فليس إذن تعلق حقيقة التضاد بالحركات المتضادة بتضاد المتحركات.
[٢] لأن الحركات كلها تتفق في نوع الزمان فإذا قلنا ليس شيء من زماني حركتين مختلفتين بمختلفين و كلما تتضاد به الحركات مختلفان لزم أن الزمان لا تتضاد به الحركات فتبين أن الزمان لا يوجب البتة تضادا في الحركات و لا يكون به التضاد في الحركات.
الملل و النحل ج٢ ٥٥٠ المقالة الأولى: ..... ص : ٥٤٥