الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٦
أما الحركة فتقال على تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل الاتجاه نحو شيء و الوصول إليه هو بالقوة أو بالفعل. فيجب أن تكون الحركة مفارقة الحال و يجب أن يقبل الحال التنقص و التزيد و يكون باقيا غير متشابه الحال في نفسه، و ذلك مثل السواد و البياض، و الحرارة و البرودة، و الرطوبة و اليبوسة، و الطول و القصر، و القرب و البعد، و كبر الحجم و صغره. فالجسم إذا كان في مكان فتحرك فقد حصل فيه كمال و فعل أول يتوصل به إلى كمال و فعل ثان هو الوصول، فهو في المكان الأول بالفعل، و في المكان الثاني بالقوة. فالحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة. و لا يكون وجودها إلا في زمان بين القوة المحضة، و الفعل المحض. و ليست من الأمور التي تحصل بالفعل حصولا قارا مستكملا. و قد ظهر أنها في كل أمر يقبل التنقص و التزيد و ليس شيء من الجواهر كذلك. فإذن لا شيء من الحركات في الجوهر. و كون الجوهر و فساده ليس بحركة بل هو أمر يكون دفعة.
و أما الكمية فلأنها تقبل التزيد و التنقص، فخليق أن يكون فيها حركة؛ كالنمو و الذبول و التخلخل و التكاثف. و أما الكيفية فما يقبل منها التنقص و التزيد و الاشتداد كالتبيض و التسود، فيوجد فيه الحركة. و أما المضاف فأبدا عارض لمقولة من البواقي في قبول التنقص و التزيد. فإذا أضيفت إليه حركة فذلك بالحقيقة لتلك المقولة.
و أما الأين فإن وجود الحركة فيه ظاهر و هو النقلة. و أما متى فإن وجوده للجسم بتوسط الحركة؛ فكيف يكون فيه الحركة؟ و لو كان ذلك لكان لمتى متى آخر. و أما الوضع فإن فيه حركة على رأينا خاصة كحركة الجسم المستدير على نفسه؛ إذ لو توهم المكان المطيف به معدوما لما امتنع كونه متحركا. و لو قدر ذلك في الحركة المكانية لامتنع. و مثاله في الموجودات: الجرم الأقصى الذي وراءه جسم [١]. و الوضع يقبل التنقص و الاشتداد، فيقال: أنصب، و أنكس. و أما الملك
[١] و أكثر الناس لا يرون وراءه جسما يطيف به و ذلك هو الحق، و لا يعوقهم ذلك عن توهمه متحركا، و كيف و هو متحرك أبدا، لأن الجسم المتحرك بالاستدارة على نفسه إذا فرض في مكان فإما أن يباين كليته كلية المكان، أو تلزم كليته المكان و يباين أجزاؤه أجزاء مكانه، لكن ليس تتحرك كليته عن المكان، لأن كليته-