الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٤
من عند اللّه تعالى، و بإرسال اللّه تعالى و واجب في الحكمة الإلهية إرساله و أن جميع ما سنّه فإنما هو ما وجب من عند اللّه أن يسنّه، و أنه متميز عن سائر الناس بخصائص بالغة. و واجب الطاعة بآيات و معجزات دلت على صدقه؟!.
و سيأتي شرح ذلك في الطبيعيات. لكنك تحدس مما سلف آنفا أن اللّه تعالى كيف رتب النظام في الموجودات؟ و كيف سخّر الهيولى مطيعة للنفوس بإزالة صورة و إثبات صورة و حيثما كانت النفوس الإنسانية أشد مناسبة للنفوس الفلكية بل و للعقل الفعال كان تأثيرها في الهيولى أشد و أغرب. و قد تصفو النفس صفاء شديدا لاستعداد ما للاتصال بالعقول المفارقة فيفيض عليها من العلوم ما لا يصل إليه من هو في نوعه بالفكر و القياس. فبالقوة الأولى يتصرف في الأجرام بالتقليب و الإحالة من حال إلى حال. و بالقوة الثانية يخبر عن غيب، و يكلمه ملك. فيكون ما للأنبياء عليهم السلام و حيا. و ما للأولياء إلهاما.
و ها نحن نبتدئ القول في الطبيعيات المنقولة عن الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا.
٣- في الطّبيعيات
قال أبو علي بن سينا: إن للعلم الطبيعي موضوعا ينظر فيه و في لواحقه كسائر العلوم، و موضوعه: الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير؛ و بما هي موصوفة بأنحاء الحركات و السكونات [١]. و أما مبادي هذا العلم كمثل تركب الأجسام عن
[١] فبعض موضوعات العلوم لها مبادي و أوائل بها توجد، و موضوع العلم الطبيعي من تلك الجملة، و للعلوم أيضا مبادي و أوائل من جهة ما يبرهن عليها و هي المقدمات التي تبرهن ذلك العلم و لا تتبرهن فيه إما لبيانها و إما لعلوها عن أن تتبرهن في ذلك العلم بل إنما تتبرهن في علم آخر، و العلم الطبيعي من تلك الجملة و ليس و لا على واحد من أصحاب العلوم الجزئية إثبات مبادي علمه و لا إثبات صحة المقدمات التي بها يبرهن ذلك العلم بل بيان مبادي العلوم الجزئية على صاحب العلم الكلي، و هو العلم الإلهي، و العلم الناظر فيما بعد الطبيعة و موضوعه الوجود المطلق و المطلوب فيه المبادي العامة و اللواحق العامة.