الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٠
و الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية. و ذلك باستعمال التوسط بين الخلقتين المتضادتين، لا بأن يفعل أفعال التوسط بل بأن يحصل ملكة التوسط بين الخلقتين المتضادتين، فيحصل في القوى الحيوانية هيئة الإذعان. و في القوى الناطقة هيئة الاستعلاء. و معلوم أن ملكتي الإفراط و التفريط هما من مقتضيات القوى الحيوانية، فإذا قويت حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية قد رسخت فيها من شأنها أن تجعلها قوية العلاقة مع البدن، سديدة الانصراف إليه و أما ملكة التوسط [١] فهي من مقتضيات الناطقة. فإذا قويت قطعت العلاقة من البدن، فسعدت السعادة الكبرى. ثم للنفوس مراتب في اكتساب هاتين القوتين، أعني العلمية و العملية و التقصير فيهما. فكم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات، و التخلق بالأخلاق الحسنة حتى يجاوز الحد الذي في مثله يقع في الشقاوة الأبدية. و أي تصور و خلق يوجب له الشقاء المؤبد؟ و أي تصور و خلق يوجب له الشقاء المؤقت؟ قال: فليس يمكنني أن أنص عليه إلا بالتقريب، و ليته سكت عنه، و قد قيل:
فدع عنك الكتابة لست منها
و لو سوّدت وجهك بالمداد
قال: و أظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادي المفارقة تصورا حقيقيا، و يصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عنده بالبرهان، و يعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى، و يتقرر عنده هيئة الكل و نسب أجزائه بعضها إلى بعض، و النظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه، و يتصور العناية و كيفيتها، و يتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها، و أية وحدة تخصها، و أنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر و تغير بوجه. و كيف ترتيب نسب الموجودات إليها. و كلما ازداد استبصارا ازداد
[١] و المراد بملكة التوسط التبرئة عن الهيئات الانقيادية، و تبقية النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء و التنزه، و ذلك غير مضاد لجوهرها و لا مائل بها إلى جهة البدن، بل عن جهة، فإن المتوسط يسلب عنها الطرفين دائما.