الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٩
يخصها، و حيثما كان المدرك أشد إدراكا و أفضل ذاتا، و المدرك أكمل وجودا و أشرف ذاتا و أدوم ثباتا، فاللذة أبلغ و أوفر.
الأصل الثاني: أنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما، بحيث يعلم أن المدرك لذيذ، و لكن لا يتصور كيفيته و لا يشعر به فلم يشتق إليه، و لم يفزع نحوه فيكون حال المدرك حال الأصم و الأعمى الملتذين برطوبة اللحن و ملاحة الوجه من غير شعور و تصور و إدراك.
الأصل الثالث: أن الكمال و الأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدرّاكة. و هناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه و تؤثر ضده. أو تكون القوة ممنوعة بضد ما هو كمالها فلا تحس به كالمريض و المحرور. فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه، فصدقت شهوته، و اشتهت طبيعته، و حصل له كمال اللذة.
فنقول بعد تمهيد الأصول: إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل. و النظام المعقول في الكل، و الخير الفائض من واهب الصور على الكل، مبتدئا من المبدأ، و سالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة، ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها و قواها، ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله، فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق و الخير و البهاء و الحق، و متحدا به [١]، و منتقشا بمثاله، و منخرطا في سلكه، و صائرا من جوهره؛ و هذا الكمال لا يقاس بسائر الكمالات وجودا و دواما و لذة و سعادة، بل هذه اللذة أعلى من اللذات الحسية، و أعلى من الكمالات الجسمانية. بل لا مناسبة بينهما في الشرف و الكمال. و هذه السعادة لا تتم له إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس، و تهذيب الأخلاق.
[١] و هذا موضع آخر أقر فيه ابن سينا بمعنى الاتحاد.