الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٨
و تسخن، و لم يكن بد من المصادمات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فيحترق. و الأمر الدائم و الأكثري حصول الخير من النار. فأما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود النار. و أما الأكثر فلأن أكثر الأشخاص و الأنواع في كنف السلامة من الاحتراق؛ فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية و الدائمة لأعراض شرية أقلية، فأريدت الخيرات الكائنة عن مثل هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال: إن اللّه تعالى يريد الأشياء، و يريد الشر أيضا على الوجه الذي بالعرض. فالخير مقتضى بالذات، و الشر مقتضى بالعرض، و كل بقدر. و الحاصل أن الكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة و المنفعلة: السماوية و الأرضية، الطبيعية و النفسانية، بحيث يؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه و لا تؤدي إلى شرور. فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس: صورة اعتقاد رديء أو كفر أو شر آخر، و يحدث في بدن: صورة قبيحة مشوهة، و لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت. فلم يعبأ و لم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. و قيل:
خلقت هؤلاء للجنة و لا أبالي، و خلقت هؤلاء للنار و لا أبالي، و كل ميسر لما خلق له.
المسألة العاشرة: في المعاد، و إثبات سعادات دائمة للنفوس، و إشارة إلى النبوة و كيفية الوحي و الإلهام.
و لنقدم على الخوض فيها أصولا ثلاثة:
الأصل الأول: أن لكل قوة نفسانية لذة و خيرا يخصها [١]، و أذى و شرا
[١] مثاله أن لذة الشهوة و خيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة و لذة الغضب الظفر و لذة الوهم الرجاء و لذة الحفظ تذكر الأمور الموافقة الماضية، و أذى كل واحد منها ما يضاده، و تشترك كلها نوعا من الشركة في أن الشعور بموافقها و ملائمها هو الخير و اللذة الخاصة بها، و الموافق بكل واحد منها بالذات و الحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل، فهذا أصل، و أيضا فإن هذه القوى و إن اشتركت في هذه المعاني فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة. فالذي كماله أتم و أفضل، و الذي كماله أكثر ... الخ.