الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٦
الحركات و أفعالها و أحوالها اختلافها الذي لها لأجل ذلك، و إن كنا لا نعرف كيفيتها و كميتها. و تكون العلة الأولى متشوق الجميع بالاشتراك. و هذا معنى قول القدماء:
إن للكل محركا واحدا معشوقا، و لكل كرة محركا يخصها و معشوقا يخصها، فيكون إذن لكل فلك نفس محركة تعقل الخير، و لها بسبب الجسم تخيل، أي تصور للجزئيات و إرادة لها، ثم يلزمها حركات ما دونها لزوما بالقصد الأول حتى تنتهي إلى حركات الفلك الذي يلينا، و مدبرها العقل الفعال. و يلزم الحركات السماوية حركات العناصر على مثال تناسب حركات الأفلاك. و تعد تلك الحركات موادها لقبول الفيض من العقل الفعال فيعطيها صورها على قدر استعداداتها كما قررنا. فقد تبين لك أسباب الحركات و لوازمها، و ستعلم بواقيها في الطبيعيات.
المسألة التاسعة: في العناية الأزلية، و بيان دخول الشر في القضاء [١].
قال: العناية هي كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود من نظام، و علة لذاته للخير و الكمال بحسب الإمكان، و راضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان، فيفيض منه ما يعقله نظاما و خيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام بحسب الإمكان، فهذا هو معنى العناية. و الخير يدخل في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض، و الشر بالعكس منه و هو على وجوه: فيقال شر لمثل الألم و الغم. و يقال شر لمثل الشرك و الظلم و الرياء. و بالجملة الشر بالذات هو العدم، و لا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه و طبيعته. و الشر بالعرض هو المعدم و الحابس للكمال عن مستحقه. و الشر بالذات ليس بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظه، و لو كان له حصول ما لكان الشر العام. و هذا الشر يقابله الوجود على كماله الأقصى بأن يكون بالفعل، و ليس فيه ما بالقوة أصلا فلا يلحقه شر. و أما الشر بالعرض فله
[١] يرى ابن سينا، أن القضاء هو علم اللّه المتعلق بالكل على حساب النظام الأكمل الذي يكون في الوجود و قدره هو عبارة عن إفاضة الكائنات على حسب ما في عمله، فالكل صادر عن اللّه و معلول له، و كل ذلك بقضاء و قدر لا محيص عنه و لا مخلص منه.