الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٥
السماء محرك قريب يخصه، و متشوق معشوق يخصه فأول المفارقات الخاصة محرك الكرة الأولى، و هي على قول من تقدم بطليموس كرة الثوابت. و على قول بطليموس كرة خارجة عنها محيطة بها غير مكوكبة. و بعد ذلك محرك الكرة التي تلي الأولى؛ و لكل واحدة مبدأ خاص، و للكل مبدأ. فلذلك تشترك الأفلاك في دوام الحركة و في الاستدارة. و لا يجوز أن يكون شيء منها لأجل الكائنات السافلة [١] لا قصد حركة، و لا قصد جهة حركة، و لا تقدير سرعة و بطء، بل و لا قصد فعل البتة لأجلها، و ذلك أن كل قصد فيكون من أجل المقصود، و يكون أنقص وجودا من المقصود؛ لأن كل ما لأجله شيء آخر فهو أتم وجودا من الآخر. و لا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشيء الأخس، فلا يكون البتة إلى معلول قصد صادق و إلا كان القصد معطيا و مفيدا لوجود ما هو أكمل. إنما يقصد بالواجب شيء يكون القصد مهيئا له، و مفيد وجوده شيء آخر. و كل قصد ليس عبثا فإنه يفيد كمالا ما لقاصد؛ لو لم يقصد لم يكن ذلك الكمال. و محال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلة يفيد العلة كمالا لم يكن. فالعالي إذن لا يريد أمرا لأجل السافل. و إنما يريده لما هو أعلى منه، و هو التشبه بالأول بقدر الإمكان.
و لا يجوز أن يكون الغرض تشبها بجسم من الأجسام السماوية و إن كان تشبه السافل بالعالي، إذ لو كان كذلك لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم، و لم يكن مخالفا له و أسرع في كثير من المواضع. و لا يجوز أن يكون الغرض شيئا يوصل إليه بالحركة، بل شيئا مباينا غير جواهر الأفلاك من موادها و أنفسها. و بقي أن يكون لكل واحد من الأفلاك شوق تشبه بجوهر عقلي مفارق يخصه و تختلف
[١] فإن قوما لما سمعوا ظاهر قول فاضل المتقدمين إذ يقول: إن الاختلاف في هذه الحركات و جهاتها يشبه أن يكون للعناية بالأمور الكائنة الفاسدة التي تحت كرة القمر، و كانوا سمعوه أيضا و علموا بالقياس أن الحركات السماوية لا يجوز أن تكون لأجل شيء غير ذواتها و لا يجوز أن تكون لأجل معلولاتها، و قد أرادوا أن يجمعوا بين هذين المذهبين فقالوا إن نفس الحركة ليس لأجل ما تحت القمر و لكن للتشبه بالخير المحض و التشوق إليه، فأما اختلاف الحركات فليختلف ما يكون من كل واحد منها في عالم الكون و الفساد اختلافا ينتظم به بقاء الأنواع.