الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٤
آخر. فمتى كان في جزء بالفعل فهو في جزء آخر بالقوة. و التشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال، و لم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي بالعدد، فحفظ بالنوع و التعاقب، فصارت الحركة حافظة لما يكون من هذا الكمال، و مبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال، و مبدأ الشوق هو ما يعقل منه.
فنفس الشوق إلى التشبه بالأول من حيث هو بالفعل تصدر عنه الحركات الفلكية صدور الشيء عن التصور الموجب له، و إن كان غير مقصود في ذاته بالقصد الأول، لأن ذلك تصور لما بالفعل، فيحدث عنه طلب لما بالفعل و لا يمكن لما بالشخص فيكون بالتعاقب، ثم يتبع ذلك التصور تصورات جزئية على سبيل الانبعاث إلى المقصود الأول، و تتبع تلك التصورات و الحركات المنتقل بها في الأوضاع، و هي كأنها عبادة ملكية أو فلكية. و ليس من شرط الحركة الإرادية أن تكون مقصودة في نفسها، بل إذا كانت القوة الشوقية تشتاق نحو أمر يسيح منها تأثير تتحرك له الأعضاء، فتارة تتحرك على النحو الذي يوصل به إلى الغرض، و تارة على نحو آخر متشابه.
و إذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدأ الأول و بما يدرك منه على نحو عقلي أو نفساني شغل ذلك عن كل شيء، و لكن ينبعث منه ما هو أدون منه في المرتبة و هو الشوق إلى الأشبه به بقدر الإمكان. فقد عرفت أن الفلك متحرك بطبعه، و متحرك بالنفس، و متحرك بقوة عقلية غير متناهية، و تميزت عندك كل حركة عن صاحبتها، و عرفت أن المحرك الأول [١] لجملة السماء واحد، و لكل كرة من كرات
[١] أخذ في بيان أن لكل فلك جزئي محركا أولا مفارقا قبل نفسه يحرك على أنه معشوق، فإن المحرك الأول للكل مبدأ لجميع ذلك، و أنت تعلم أن جوهر هذا المحرك واحد، و لا يمكن أن يكون هذا المحرك الأول الذي لجملة السماء فوق واحد و إن كان لكل كرة من كرات السماء محرك قريب يخصه و متشوق و معشوق يخصه على ما يراه المعلم الأول و من بعده من محصلي الحكمة المشائية، فإنهم إنما ينفون الكثرة عن محرك الكل و يثبتون الكثرة للمحركات المفارقة و غير المفارقة التي تخص واحدا منها، فيجعلون أول المفارقات الخاصية محرك الكرة الأولى، و هي عند من تقدم بطليموس كرة الثوابت و عند من يعلم بالعلوم التي ظهرت لبطليموس كرة خارجة عنها محيطة بها غير مكوكبة، و بعد ذلك فمحرك الكرة التي تلبي الأولى بحسب اختلاف الرأيين و كذلك ما بعدهم و هلم جرا.