الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٩
لا في مادة. و قد بينا أن كل ذات لا في مادة فهي عقل و أنت تعلم أن في الموجودات أجساما، و كل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه، و أنه يجب بغيره و علمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول بغير واسطة و علمت أن الواسطة واحدة، فبالحرى أن تكون عنها المبدعات الثانية و الثالثة و غيرها، بسبب اثنينية فيها ضرورة. فالمعلول الأول ممكن الوجود بذاته، و واجب الوجود بالأول. و وجوب وجوده بأنه عقل و هو يعقل ذاته و يعقل الأول ضرورة. و ليست هذه الكثرة له من الأول، فإن إمكان وجوده له بذاته لا بسبب الأول، بل له من الأول وجوب وجوده، ثم كثرة أنه يعقل الأول و يعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب وجوده عن الأول. و هذه كثرة إضافية ليست في أول وجوده و داخلة في مبدأ قوامه. و لو لا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا وحدة، و لكان يتسلسل الوجود من وحدات فقط، فما كان يوجد جسم. فالعقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته و بما يعقل ذاته وجود صورة الفلك و كماله و هي النفس، و بطبيعة إمكان الوجود الخاصية له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه، و هو الأمر المشارك للقوة. فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل، و بما يختص بذاته على جهتيه الكثرة الأولى بجزءيها أعني المادة و الصورة، و المادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها. كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالعقل الذي يحاذي صورة الفلك. و كذلك الحال في عقل عقل، و فلك فلك، إلى أن ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا. و ليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق. فإنه إن لزم كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة. و قولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة، فتلزم كثرته هذه المعلومات، و لا هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. و من المعلوم أن الأفلاك كثيرة [١] فوق العدد الذي في المعلول الأول. فليس
[١] لقد جمع ابن سينا في آرائه بنظرية الفيض بين آراء أفلاطون و آراء أرسطو و مزجهما ببعض، فقد أخذ من أرسطو قوله: إن فوق العالم إلها و إن هناك أفلاكا ذات حركات مستديرة و إنها تتحرك تحت تأثير-