الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٨
قبل، و هي الآن كذلك، فالآن لا يوجد عنها شيء فإذا صار الآن يوجد عنها شيء فقد حدث أمر لا محالة: من قصد، أو إرادة، أو طبع، أو قدرة، أو تمكن، أو غرض. و لأن الممكن أن يوجد و أن لا يوجد لا يخرج إلى الفعل و لا يترجح له أن يوجد إلا بسلب. و إذا كانت هذه الذات موجودة و لا ترجح و لا يجب عنها الترجح، ثم رجح فلا بد من حادث موجب الترجيح في هذه الذات! و إلا كانت نسبتها إلى ذلك الممكن على ما كانت قبل، و لم تحدث لها نسبة أخرى، فيكون الأمر بحاله، و يكون الإمكان إمكانا صرفا بحاله. و إذا حدثت لها نسبة فقد حدث أمر و لا بد من أن يحدث في ذاته، أو مباينا عن ذاته، و قد بينا استحالة ذلك.
و بالجملة فإنا نطلب النسبة الموقعة لوجود كل حادث في ذاته أو مباين عن ذاته و لا نسبة أصلا. فيلزم أن لا يحدث شيء أصلا و قد حدث. فعلم أنه إنما حدث بإيجاب من ذاته و أنه سبقه لا بزمان و وقت، و لا تقدير زمان، بل سبقا ذاتيا من حيث إنه هو الواجب لذاته، و كل ممكن بذاته فهو محتاج إلى الواجب لذاته. فالممكن مسبوق بالواجب فقط، و المبدع مسبوق بالمبدع فقط، لا بالزمان.
المسألة الثامنة: في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد [١]، و في ترتيب وجود العقول و النفوس و الأجرام العلوية. و أن المحرك القريب للسماويات نفس، و المبدأ الأعلى عقل، و حال تكون الأسطقسات عن العلل.
إذا صح أن واجب الوجود بذاته واحد من جميع جهاته، فلا يجوز أن يصدر عنه إلا واحد. و لو لزم عنه شيئان متباينان بالذات و الحقيقة لزوما معا، فإنما يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته. و لو كانت الجهتان لازمتين لذاته، فالسؤال في لزومهما ثابت حتى يكونا من ذاته، فتكون ذاته منقسمة بالمعنى. و قد منعناه و بينا فساده؛ فتبين أن أول الموجودات عن الأول واحد بالعدد. و ذاته و ماهيته وحدة؛
[١] هذا مبدأ من المبادي الثلاثة التي تستند إليها نظرية الفيض عند ابن سينا أو صدور الموجودات عن الخالق، و نظرية الفيض تكشف لنا كيفية صدور الموجودات عن الأول، فتزعم أن هذا الصدور فعل ضروري ناشئ عن طبيعة المبدأ الأول، فالوجود يصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، و كما تصدر الحرارة عن النور.