الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٦
مفيد، و قد تكون العلة علة للشيء بالذات، و قد تكون بالعرض [١]، و قد تكون علة قريبة و قد تكون علة بعيدة، و قد تكون علة لوجود الشيء فقط، و قد تكون علة لوجوده، و لدوام وجوده. فإنه إنما يحتاج إلى الفاعل لوجوده و في حال وجوده، لا لعدمه السابق و في حال عدمه. فيكون الموجد الذي هو موجد للوجود و الموجود هو الذي يوصف بأنه موجد؛ فكما أنه في حال ما هو موجود يوصف بأنه موجد كذلك الحال في كل حال، فكل موجد محتاج إلى موجد مقيم لوجوده لولاه لعدم.
و أما القوة و الفعل، فالقوة [٢] تقال لمبدإ التغير في آخر من حيث إنه آخر، و هو إما في المنفعل و هي القوة الانفعالية، و إما في الفاعل و هي القوة الفعلية، و قوة المنفعل قد تكون محدودة نحو شيء، واحد كقوة الماء على قبول الشكل دون قوة الحفظ. و في الشمع قوة عليهما جميعا، و في الهيولى الأولى قوة الجميع، و لكن بتوسط شيء دون شيء، و قوة الفاعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة النار على الإحراق فقط، و قد تكون على أشياء كثيرة كقوة المختارين. و قد يكون في الشيء قوة على كل شيء و لكن بتوسط شيء دون شيء، و القوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة حصل منها الفعل ضرورة و ليس كذلك في غيرها مما يستوي
[١] و العلة تكون علة الشيء بالذات، مثل الطبيب للعلاج. و قد تكون علة بالعرض. إما لأنه لمعنى غير الذي وضع صار علة، كما يقال إن الكاتب يعالج، و ذلك لأنه يعالج لا من حيث هو كاتب بل لمعنى آخر غيره و هو أنه طبيب، و أما لأنه بالذات يفعل فعلا لكنه قد يتبع فعله فعل آخر. مثل مزيل الدعامة عن الحائط، فإنه علة لسقوط الحائط بالعرض. لأنه لما أزال المانع لزم فعله الفعل الطبيعي و هو انحدار الثقل بالطبع.
[٢] القوة هي استعداد وجود الشيء الحاصل مع عدم حصوله. و الفعل كون الشيء حاصلا، و يبطل هذه القوة عند الفعل، و قد يقال القوة و يعنى بها شيء آخر، و قد عرف بأن ما به يصير الشيء بحيث يصح أن يصدر عنه فعل أو يصدر عنه انفعال، و هذه القوة تجتمع مع الفعل و الانفعال و تعم الصور الجوهرية التي يثبتها المشاءون و الأعراض أيضا. فإن صدور الحرق من الحديدة الحامية إنما كان باعتبار الحرارة، و قبول الماء بسهولة التشكل و الترك للميعان لا للصورة المائية فإنها حاصلة عند الجمود بل على قاعدة القوم: مقتضى صورة المائية الجمود. و الماء يبرد الأشياء بمعاونة برودته فإن الماء الحار يسخن و لا يبرد.