الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٤
للصورة. و إنها إنما تقوم بالفعل بالصورة. و لا يجوز أن يقال: إن الصورة بنفسها موجودة بالقوة، و إنما تصير بالفعل بالمادة. لأن جوهر الصورة هو الفعل، و ما بالقوة محله المادة. و الصورة و إن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى، بل بالعلة المفيدة إياها للهيولى. و كيف يتصور أن تقوم الصورة بالهيولى و قد أثبت أنها علتها و العلة لا تتقوم بالمعلول. و فرق بين الذي يتقوم به الشيء و بين الذي لا يفارقه. فإن المعلول لا يفارق العلة و ليس علة لها، فما يقوم الصورة أمر مباين لها مفيد الوجود، و ما يقوم الهيولى أمر ملاق لها و هو الصورة. و أول الموجودات [١] في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم الذي يعطي صورة الجسم، و صورة كل موجود، ثم الصورة، ثم الجسم، ثم الهيولى، و هي و إن كانت سببا للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود، بل سبب يقبل الوجود، فإنه محل لنيل الوجود.
و للجسم وجودها، و زيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها. ثم العرض أولى بالوجود. فإن أولى الأشياء بالوجود هو الجوهر، ثم الأعراض، و في الأعراض ترتيب في الوجود أيضا.
المسألة الثالثة: في أقسام العلل، و أحوالها، و في القوة و الفعل، و في إثبات الكيفيات في الكمية، و أن الكيفيات أعراض لا جواهر.
قد بينا في المنطق أن العلل أربع. و تحقيق وجودها هاهنا أن نقول: المبدأ و العلة يقال لكل ما يكون قد استتم له وجوده في نفسه، ثم حصل منه وجود شيء آخر يتقوم به. ثم لا يخلو ذلك: إما أن يكون كالجزء لما هو معلول له، و هذا على
[١] أخذ ابن سينا في ترتيب الموجودات، فأولى الأشياء بالوجود هي الجواهر ثم الأعراض، و الجواهر التي ليست بأجسام أولى الجواهر بالوجود إلا الهيولى، لأن هذه الجواهر ثلاث: هيولى و صورة و مفارق لا جسم و لا جزء جسم، و لا بد من وجوده، لأن الجسم و أجزاءه معلولة و ينتهي إلى جوهر هو علة غير مقارنة بل مفارقة البتة. فأول الموجودات في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم، ثم الصورة، ثم الجسم، ثم الهيولى، و هي و إن كانت سببا للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود، بل هي محل لنيل الوجود و للجسم وجودها و زيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها ثم العرض و في كل طبقة من هذه الطبقات جملة موجودات تتفاوت في الوجود.